خوف ١٩

في هذه الفترة كنا في الشتاء وعلى مشارف الربيع وكنت أستمتع بالطبيعة الخلابة التي استرقت النظر إليها من وقت لآخر من خلال نافذة غرفة المعيشة فالغرف الأخرى لم يكن بها نوافذ. سألت (عمار) يوما عما إذا كان بمقدوري فتح النافذة لاستنشاق

الهواء فقال:

لا بأس فالشيطان بالخارج لن يستطيع الدخول منها للمنزل لكن كن حريصا ألا تطل برأسك .. ( قالها وهو يضحك )

فتحت النافذة واستنشقت بكل قوتي عبق الحرية الذي افتقدته، كانت رائحة زهور الربيع اليانعة زكية ونسيم الجبل باردا وعليلا. أحسست بالسعادة لأول مرة منذ دخولي لهذا المنزل. لكن خلال استنشاقي لهذا العبير الزكي صدمت برائحة كريهة جدًّا أشبه بالبيض المتعفن المختلط برائحة الدخان فكتمت أنفاسي وأغلقت النافذة وسألني (عمار) وقال:

ماذا بك ؟!

فقلت: لقد شممت رائحة كريهة جدًّا كالجيفة المحترقة.. هل قمت

بحرق شيء بالخارج؟

ضحك (عمار) وقال : الرائحة التي وصفتها هي رائحة شيطانك...

يبدو أنه اقترب من النافذة جدا على أمل أن تخرج.

سكت وأنا أنظر للخارج من خلال النافذة وأقول في نفسي:

سأجدك بين تلك الكتب ...

السنة الأولى مع (عمار):

استمررت بالقراءة واستمرت نوبات غضبي بالازدياد لكن (عمار) كان صبورًا وحليماً بشكل غريب. كان يؤمن بي أكثر من إيماني بنفسي ولم أعرف السبب وراء ذلك. لكن مع مرور الأيام بدأت أتعود شيئًا فشيئًا على نظام (عمار) الغذائي والحياتي. قلت الأوقات التي كنا نتحاور فيها لأني لم أعد أسأل كما كنت في السابق فالكتب أصبحت مألوفة وبعضها بدأ يترابط مع الآخر في ذهني ولم أكن أستعين ب (عمار) إلا في الأمور المستعصية. كنت أتوقف عن القراءة في موعد الوجبة الوحيدة ذلك اليوم وهي تلك الهريسة التي كان يصر (عمار) على تناولها يوميا بالرغم من محاولاتي المتكررة لإقناعه بالتغيير ولو لفترة بسيطة لكنه كان يرفض بشدة.

بعد عدة شهور من البحث في الكتب بدأ (عمار) يتحدث معي

ويمازحني ونمت بيننا علاقة جيدة دفعته لمساعدتي في البحث من وقت لآخر، تعلمت منه أشياء كثيرة غير المكتوبة في الكتب كان رجلا طيبا بالرغم من أنه كان ساحرًا خبيثا.

أذكر مرة أني قلت له:

ألا تدرك يا عمار أن الساحر كافر ؟!

فضحك وقال: وماذا عن من يأتيه ؟

فسكت ولم أفتح معه الموضوع مرة أخرى...

طلبت منه يوما أن يحضر لي أدوات حلاقة لأن شعر رأسي وذقني وجسمي بدأ يزعجني فرفض وقال كثرة الشعر على الساحر مصدر قوة له.

فقلت له: أنا لست بساحر يا (عمار) ولا أريد أن أكون ساحرًا !

فقال : الأمر لم يعد خيارًا أنت منا وستبقى كذلك.

قلت له: أنا هنا مجبر وبمجرد أن أنتهي من شيطاني هذا سأتخلى عن هذا العالم اللعين.

قال لي وهو يضحك:

هذا العالم له باب واحد وهو للدخول فقط

لم يعجبني كلامه وقاطعته أسبوعا كاملا، بعدها جاء ليصالحني وقال لي: لقد أرسلت مرسالا لمنام أمك ليطمئنها عليك.

فقلت له بلهفة : كيف ؟!

فوضع في يدي كتابا وقال: اقرأ وتعلم.

فرفضت وقلت له: لن أقرأ كتابًا من كتبكم لغير حاجة وأمي مؤمنة

وستصبر على بعدي حتى أعود.

كنت في أول سنة من بقائي معه أصلي ولم يكن (عمار) يرفض لكنه كان يخرج من المكان عندما كنت أفعل ذلك لكن وللأسف في السنتين الأخيرتين أهملت الصلاة بسبب ما كنت أقرؤه في تلك الكتب اللعينة.

حل شهر رمضان خلال السنة الأولى وهي المرة الأولى التي بدأت

فيها ملاحظة بعض التغيرات في الروتين اليومي. فقبل الشهر المبارك بأيام أحضر (عمار) كمية كبيرة من الأرز وبعض المؤن وقال: سوف نغير نوعية الأكل في رمضان لأجلك فرحت في البداية لكني لم أكن متيقنا من صدق كلامه عندما قال إن التغيير كان لأجلي وما زادني يقينا التغيرات الأخرى التي حدثت مثل تخزين كمية كبيرة من الماء داخل المنزل في براميل وكأنه يستعد لغارة جوية سوف تنزل عليه من السماء. عندما انتهى (عمار) من استعداداته جلست بجانبه والعرق يتصبب من جبينه بعد حمل تلك البراميل الثقيلة

وقلت له :

ما الذي يحدث ؟ .. ولا تخبرني بأنك تفعل ذلك من أجلي.

(عمار): لا يمكننا الخروج خلال رمضان...

قلت له : أنا محبوس هنا طيلة السنة على أية حال فما الفرق؟

(عمار): الفرق أنني سأكون محبوسا معك ولن نحصل على الطعام

أو الماء.

فقلت له: أخبرني لماذا ؟

فنهض (عمار) ولم يرد على سؤالي ...

رمضان كان شهرًا قاسيًا على (عمار) وكنت أحس فيه أن قواه تضعف أو تزول ولم أنتبه إلا في السنة الثانية أنه كان يحضر طعاما يكفينا شهر رمضان بأكمله كي لا يخرج وفي السنة الثالثة فهمت أن قدرته تضعف بسبب ربط شياطينه خلال الشهر الكريم لذلك سألته مرة: لماذا لا أخرج في رمضان فالشياطين تربط في السماء بمن فيها ذلك

الشيطان الذي ينتظرني ؟ فقال لي: اذهب وجرب فأنا لن أمنعك

لم يكن إيماني قويا في تلك الفترة لذلك لم أجرب لكني أعرف اليوم أن قول الله حق وأن ذلك الشيطان كان يربط معهم طيلة شهر رمضان المبارك ولو كنت قد خرجت لما أصبت بأذى لكن وجودي مع (عمار) وكتبه جعلني أفقد إيماني وجعلني أسيرا لهم. كان (عمار) يقفل الباب علي عند المغرب ولا يفتحه إلا مع الشروق لكن خلال شهر رمضان لم يقم بذلك بل كان يطلب مني ترك المكتبة والجلوس معه للحديث دائما خلال الليل. ومن تلك الأحاديث المطولة كل ليلة أخذت علما كثيرًا منه لم أجده في تلك الكتب بل في الواقع أجابني

على تساؤلات كثيرة لم أجد لها تفسيرا خلال القراءة. كان (عمار) مختلفًا خلال رمضان كان متعبا ويبدو مريضًا أو مخمورا. لم أسأله كثيرا عن حالته لأني كنت أعرف أنه لن يجيب. أخرج (عمار) في إحدى الليالي علبة سجائر وبدأ بالتدخين وهذه كانت المرة الأولى التي أراه فيها يدخن. مد لي سيجارة

وقال: خذ واحدة...

فقلت له: أنا لا أدخن.. ثم ألم تختر غير هذا الشهر الفضيل كي تبدأ بالتدخين ؟ ....

تنزيل على الفور

novel.download.tips
تنزيل على الفور

novel.bonus

novel.bonus.content

novel.bonus.receive
NovelToon
فتح الباب إلى عالم آخر
لمزيد من التشغيل واللعب ، يرجى تنزيل تطبيق MangaToon