حتى بعد استيقاظي ولأني كنت شابا في بداية العشرينيات من عمري لم أكن حافظا للأذكار كلها ولم أكن أقرأ القرآن بكثرة فلم يخطر هذا الشيء ببالي في ذلك الوقت فبقيت في الفراش أحتضن وسادتي مفزوعا وعيناي تراقبان باب الحمام حتى توقف الضحك.
خرجت من الغرفة بعد توقف الضحك مباشرة وتوجهت للطابق السفلي فوجدت أخي الأصغر واقفًا في منتصف المطبخ ينظر لي وهو يبتسم فكلمته ولم يرد علي فاقتربت منه ووضعت يدي على كتفه فصعقت بشيء أشبه بالكهرباء وسقطت على الأرض ولم أستيقظ إلا على صوت والدي في الصباح وهو يقول:
«قم!»
توجهت مسرعًا لغرفتي فلحقني والدي وفي عينيه خوف من الوضع الذي وجدني عليه وأنا أقول له :
«لا تهتم لا تهتم ...
أخذت الكتاب الثاني وخرجت لفناء المنزل وجلست في الحديقة وفتحت الكتاب وقبل أن أقرأ حرفًا منه نادتني أمي وقالت:
ألن تذهب للجامعة اليوم؟
فقلت لها بصوت عال: لا !!
وهذه المرة الأولى التي أكلمها فيها بهذه الطريقة فأنا لست حاد
المزاج بطبعي وأمي كانت الشخص الوحيد في حياتي الذي لا أستطيع أن أعارض لها كلامًا مهما طلبت أو أرفع صوتي عليها لكن هذه المرة كان عقلي ليس في مكانه بسبب الخوف الذي اعتراني. ذهبت أمي ولم ترد علي وبالرغم من تأنيب ضميري و ندمي في اللحظة نفسها إلا أني لم أستطع اللحاق بها والاعتذار منها لأن ذهني كان مشغولا بالبحث عن حل لما كنت فيه كنت أشبه بالمدمن الذي يبحث عن جرعة توقف ألمه الذي يقطع أوصاله.
فتحت الكتاب على عجالة وكان كسابقه بلا فهرس أو أرقام صفحات أو دار نشر وغيرها لكن عدد صفحاته كان أقل و غلافه أسود كان الكتاب مكتوبا بصيغة غريبة كان يخاطبني وكأنه يعرفني وكان يتحدث عن قريني وكأنه أخ لي و الصاحب الذي يتوق إلى لقائي وعندما وصلت لصفحة التحضير وجدت في أعلى الصفحة كلمة شذت عن بقية كلمات الكتاب. كانت تلك الكلمة هي الوحيدة في الكتاب المكتوبة بخط اليد وكانت تقول :
(دجن)
لم أعرها في ذلك الوقت أي انتباه بالرغم من أنها لفتت نظري و أكملت القراءة وكانت الطريقة المذكورة في الكتاب لتحضير قريني تستلزم غياب الشمس كأحد عناصر التحضير فانتظرت حتى غابت الشمس وتوجهت بعدها مباشرة لغرفتي ثم لدورة المياه وأغلقت الباب لأني كنت أحتاج المرآة أيضًا كأحد عناصر التحضير كما قال الكتاب ونفذت بالحرف ما كان مكتوبا في صفحة التحضير وكانت العملية متعبة و مرهقة لكن بعد الانتهاء منها لم يحدث شيء.
خرجت من الحمام وكان الهدوء يعم الغرفة بشكل غير مسبوق فشعرت بالخوف لأن الهدوء كان على غير العادة حتى صوت الشارع الذي اعتدت أن أسمع من خلاله أصوات الجيران والمارة والسيارات لم أكن أسمعه. لم أسمع سوى أنفاسي وضربات قلبي وصوت ريقي الذي ابتلعته من التوتر. ذهبت للفراش بعدها ونمت بلا إزعاج تلك الليلة. في الليلة التالية توقعت أنني سوف أواجه ذلك الإزعاج والتحرش الذي كان يبدأ بمجرد خلودي للفراش لكن وللمرة الثانية لم يحدث شيء. كان الجو هادئا والسكينة تعم المكان وتكرر ذلك في الليلة الثالثة أيضًا واستمر الحال على ذلك لمدة شهر حتى نسيت الموضوع من الأساس.
تذكرت الأحداث في لحظة عندما بلغنا خبر وفاة قريبي المسن الذي أعطاني الكتابين…صراحة لم أحزن عليه كثيرا ...
ذهبنا للمقبرة لدفنه وكنت حاقدًا عليه كثيرا لما فعله بي لدرجة أني لم أدع له بالمغفرة خلال صلاة الميت. لكني سامحته ودعوت له بالمغفرة عندما رأيت جثمانه ينزل إلى الأرض ملفوفا بقطعة من القماش الأبيض. عندما بدأنا نواريه الثرى اصطدم كتفي بكتف رجل غريب الشكل نظر لي نظرة غريبة و ابتسم لي ابتسامة أغرب.
بدأ الناس بالرحيل وكان الوقت عصرًا فتوجهت مع والدي للسيارة وقبل أن أركب سمعت نداء خلفي يقول:
«انتظر .. انتظر»
فنظرت باتجاه الصوت فإذا به ذلك الغريب الذي صادفته عند القبر. كان يلوح بيده لي بالانتظار وهو يهرول باتجاهي وعلى وجهه تلك الابتسامة الغريبة.. أتذكر بوضوح ابتسامته الصفراء وعينيه الواسعتين وشماغه الذي لم أر مثله من قبل في حياتي فقد كانت تبدو عليه علامات زمن آخر غير الذي نعيش فيه وعلامات أخرى لم أستطع تفسيرها. عندما وصل الرجل عندي ووقف أمامي وضع يده التي ما زالت تحمل بعض تراب القبر على كتفي ونظر في عيني مبتسما وقال:
عظم الله أجرك في المرحوم !»
نظرت له باستغراب ولم أرد عليه وظللت أنظر إليه و أحدق في عينيه اللتين امتلأت بالعروق الحمراء المتشعبة في بياض عينه المصفر ولم أستطع التوقف عن التمعن في شكله الغريب. لقد كان أسمر البشرة بدرجة حالكة لكن ملامحه لم تكن كبقية من يملكون تلك الدرجة من السمار فقد كان أنفه مسلولاً كالسيف وشفتاه صغيرتين ولم يكن يملك شاربا أو لحية وكانت رائحة عطره خانقة. أتذكر أن رائحته كانت نفاذة كالخل لكنها كانت أشبه برائحة الريحان. ظللت أحدق في ذلك الرجل حتى أنزل يده
من على كتفي الذي تلوث بتراب القبر و ابتسم وقال:
«أشوفك الليلة !».
ثم أدار ظهره ورحل...
وقفت بجانب السيارة والباب نصف مفتوح وإحدى قدمي في السيارة والأخرى ارتكزت في الشارع كي أرفع رأسي لأنظر إلى ذلك الرجل وهو راحل. لاحظت أنه عاد للمقبرة ولم يتجه للشارع أو السيارة
وخلال نظري له صرخ أبي وقال:
«يلا»
ركبت السيارة وسألت أبي عن ذلك الشخص وقلت له:
من هذا الرجل يا أبي ؟ فقال لي إنه لا يعرفه ولم يره من قبل لكنه قد يكون صديقا للمرحوم فقد كان يسافر كثيرا لبلدان كثيرة وبعيدة عندما كان يبحث عن علاج للمرض الذي أصابه.
فقلت لأبي : من ماذا كان يعاني قريبنا قبل وفاته؟
31تم تحديث
Comments