لا تضيع الوقت فالأمر قد يستغرق زمنا طويلا...
فابتسمت وقلت له :
لقد وعدت أمي بأني لن أتأخر ولا أنوي ذلك...
فرفع كفيه عن أكتافي وهم بالخروج من المكتبة وقال:
فلتبدأ إذا ! بدأت بالقراءة وكنت أظن أن الأمر سيستغرق ساعات أو على أكثر تقدير بضعة أيام لكن الأمر استغرق ٣ سنوات كاملة لم ينقص منها إلا بضعة أسابيع وفي كل مرة كنت أحاول الخروج فيها عندما أصاب بحالة من اليأس كي أطمئن أهلي وأمي بالذات كان يحذرني الرجل من الخروج ومما قد يفعله بي ذلك الشيء الواقف في الخارج إذا خطوت خطوة واحدة خارج الباب. عشت بين تلك الكتب اللعينة التي تحدثت عن كل شيء يخص العالم الآخر . أصبحت ملما بالكثير من علومهم لكن لم أعرف شيئًا عن شيطاني الذي يقف عند الباب.
نمت بيني وبين الرجل علاقة صداقة على مر تلك السنوات وبدأ
يشفق على حالي وكان دائما يردد كلمة لن أنساها ما حييت كان يقول:
اصبر على ذنبك ...
لم أكن أعرف معناها .. لكن كنت أحب سماعها منه وأرتاح عندما
يقولها. خلال تلك السنوات الثلاث قرأت أكثر من ثلثي المكتبة التي كانت عبارة عن مجموعة من الكتب والمدونات والأوراق المنفردة بالإضافة إلى بعض الرموز الغريبة التي كانت تحمل معاني مجهولة لم أفهم معناها إلا بشرح من ذلك الرجل. وفي يوم لا أنساه كان المطر يهطل فيه بغزارة على سفوح الجبل الأخضر قرأت هذا السطر :
تسلط من سواد ضاحك الثغر " دجن " ينهض من تراب وسيده يبكي في عدن تذكرت كلمة «دجن» التي كانت مكتوبة في الكتاب الأسود بخط يد مختلفة وبدأت بالبكاء بلا شعور حاملا الكتاب للرجل لأضعه بين يديه مشيرا لذلك الاسم اللعين بإصبعي وأنا أبكي كالطفل وكأني مسجون استلم للتو صك براءته.
نظر لي الرجل والكتاب مفتوح أمامه وقال:
هل هذا هو شيطانك يا فتى ؟
فأشرت برأسي ب «نعم» لأن صوتي سرق مني من شدة البكاء.
جلسني الرجل بجانبه وحكى لي قصة (دجن) القرين المتمرد بالتفصيل. بعد ما فرغ الرجل من رواية قصة (دجن) قال لي إن الكتاب الذي قرأته لم يكن عن القرين بل كان خدعة لاستحضار (دجن) وهذه حيلة يستخدمها بعض السحرة والمشعوذين لإطلاق شياطينهم وتمكينهم من الوصول لعامة الناس لإيذائهم.
فقلت له وأنا أبتسم: أعرف هذه المعلومة فقد قرأت عن هذا الموضوع في أحد كتبك منذ عدة أشهر.
وقف الرجل وأغلق الكتاب وقال لي:
هل أنت جاهز للرحيل؟
فقلت له: منذ أول يوم دخلت فيه منزلك...
وقبل أن أخرج قال لي الرجل ردد اسم (دجن) كي تحبسه في مكانه إلى الأبد ويجب أن تنطقها قبل أن تخرج لأنه قد يقتلك قبل أن تنطقها بثوان. فخرجت وأنا أردد:
«دجن» .. دجن» .. دجن» .. وتوقفت عن ترديدها عندما ابتعدت عن البيت أمتارا قليلة ولم يحدث شيء. فأدرت نظري نحو باب المنزل لأجد الرجل واقفا عند بابه مبتسما. عدت للرجل وودعته وشكرته بحرارة على حلمه وصبره معي تلك السنوات وعلى مساعدته لي في التخلص من ذلك الشيطان الذي عكر صفو حياتي وتوجهت مسرعًا باتجاه السيارة التي ظلت مركونة لثلاث
سنوات وكل ما يدور في بالي هو :
هل ستعمل؟»
ركبت السيارة وقبل أن أدير المحرك قال لي الرجل بصوت عال من
أمام شرفة منزله: عندما تعود في المرة القادمة أحضر لي بعض التين من بلدك !
فضحكت وقلت له بصوت أعلى:
لن أعود أبدا أيها الرجل الطيب !
فقال ضاحكا: ستعود.. صدقني ستعود !
و قد كان معه حق...
31تم تحديث
Comments