٣

رائحة مميزه . لم اكن اعي في الزيارة الأولى وجهتنا لكن مع تكرار الزيارات كنت اتحمس للذهاب لأن تلك المنازل الطينية كانت تعجبني لسبب ما .

كنا ننتظر الشيخ في غرفة صغيرة ممتلئة بالنساء و الاطفال ونادرا ما نرى رجلا بينهم وكان هذا الانتظار يمتد لفترات طويلة في زيارتنا الاولى قبل ان تدرك امي الآلية التي يعمل بها هذا المكان " المال " فحصلنا على تصاريح مرور VIP في كل زيارة بعد ادراك امي لهذه الآليه .

كانت الأموال تتدفق في يد كل من يوصلنا إلى " الشيخ " بسرعة وفي نهاية المطاف وبعد عدة نقاط جمركية لا أجلس أمامه إلا خمس دقائق تحاول فيها أمي شرح حالتي بسرعة والقلق على وجهها وهو مغمض العينين واضع يده على رأسي ويتمتم ببعض الكلمات غير المسموعة بوضوح وأنا أنظر إليه بخليط من الخوف والاستغراب وينتهي اللقاء في العادة بالبصق في وجهي وفي قارورة من الزيت أو الماء وخروجنا بسرعة وعلى عجالة وكأننا نهرب من مسرح جريمة.

استمرت زيارات أمي لـ " الشيخ " واستمرت جلسات البصق في وجهي حتى توقفت أمي فجأة عن الذهاب إليه. بصراحة لقد اعتدت على تلك الزيارات التي كانت تخرجني من المنزل. لم أكن من الأولاد الذين يسمح لهم بالخروج كثيرًا لذلك كانت تلك المواعيد «العلاجية» تغييرا جميلا.

بعد عدة أسابيع انقطعت زياراتنا لـ «الشيخ»

فسألت أمي قائلا: لماذا لم نعد نذهب للشيخ يا أمي ؟ فردت أمي برد لم أضحك عليه إلا بعد سنوات عندما كبرت

و استوعبت كلامها فقد قالت بحسرة :

" قبضت عليه الشرطة "

لم أتصور يوما أن أمي التي كانت متعلمة وزارت أكثر من عشرين دولة حول العالم سينتهي بها المطاف إلى أخذ ابنها لرجل كي يبصق في وجهه وتدفع له مبلغا مجزيا مقابل ذلك.

دفعني هذا الموقف عندما استرجعته بذاكرتي يوما للتفكير وأثار ذلك في عقلي المتحرك سؤالا :

لماذا .. ؟

لماذا فعلت أمي ذلك ؟

لماذا ذهبت لذلك الدجال الذي أغرقني بزيوته وبصاقه .. ؟

لم أجد إلا جوابًا واحدًا.. «الخوف»..

نعم إنه الخوف .. الخوف جردها من عقلها ومنطقها وجردها من كل وسائل الدفاع عن النفس. الخوف الذي كان سلاح ذلك الرجل كي يبتز الناس في أموالهم وأحيانا أعراضهم ولم يقدر أحد على مناقشته لأنه كان يلبس عباءة أعطته كل الصلاحيات والحصانة التي يحتاجها .. الدين.

بقي هذا الموضوع في ذهني حتى بلغت العشرين من العمر وأصبح مركزا لاهتمامي وشاغلا لبالي وأصبحت أراقب أفراد المجتمع حولي ووضعت نظرية " الخوف " للقياس و التجربة أكثر من مرة و لم تخيب هذه النظرية ظني قط . حاولت أن أوضح للناس بالنقاش المنطقي أن الثقة العمياء التي يهبونها لبعض المتنكرين بعباءة الدين تخالف غريزة الحذر و الخوف التي هي من أساسيات البقاء عندهم لكن تأثير اللحية والثوب القصير ورائحة دهن العود كان اقوى مني ومن منطقي . مع ذلك كان لدي امل ان احقق تغييرا في نمط التفكير السائد تجاه " المتمشيخين " لكن عند وصولي للمرحلة الجامعية اكتشفت أن مجتمعي يعاني من سوء فهم لمعنى الفهم .

معنى اخر هناك تقويما سابقا لعقل الشخص قبل ان يفتح فمه ، وتقويما لاخلاقه قبل ان يتعامل معك . لم افهم هذا النظام ولم اقرا عنه من قبل في اي كتاب .

تكيفت مع مجتمعي بالتمسك بمفاهيمي ومبادئي واتقنت تجاهل من اختار ان يكون جاهلا .

كان البعض ينتقد استشهادي باينشتاين لانه يهودي ويتهمني بالغباء لاني معجب بعقليه هتلر النازي وكان العرف المفروض هنا هو ان كل شيء خارج حدود جغرافيه وطني لا يجوز التعامل معه الا بازدراء وحسره ، فهم الضالون ونحن الناجون.

حتى صداقاتي مع معتنقي بعض الديانات الاخرى واصحاب المذاهب المختلفه كان ينظر لها البعض على انها خيانه عظمى للمنظمه التي ستدخل الجنه من اوسع ابوابها .

لا انكر اني حاولت تبني هذا الفكر في فتره من فترات حياتي من باب التكيف والتجربه الجديد لكن لم استطيع لان متطلبات عقلي كانت اكبر ، اتهمت بالزندقه وازدراء الدين اكثر من مره من قبل عدد من المتعالمين لاسباب ليست دينيه من الاساس .

بدات بعدها وافكر حتى توصلت لقناعه خاصه بي وهي ان الاحمق مثل العاري امام الناس وسوف يغطي ويستر نفسه باي شيء وباي طريقه حتى يداري حماقته فهناك من يختار الصمت وانا احترم هذا النوع وهناك من يختار الهجوم على شخصك كي يلتفت الناس اليك ويديروا انظارهم عن عورته المكشوفه وهذا للاسف حال الكثير من ابناء مجتمع الاغبياء .

البعض يخلط بين الجهل والغباء فيعتقد ان الجهل مذم مثل الغباء ولا يدرك اننا كلنا جاهلون بشيء ما بطريقه او اخرى ولا يعلم العلم كله الا الله ، فكلمه جاهل صفه لنقص المعرفه لكن الغباء صفه لنقص القدره على استيعاب المعرفه وهذا اخطر .

في تلك المرحله من عمري وفي اوج عطش للمعرفه تغير مجرى حياتي والى الابد . لم احكي ما حدث معي لاحد لاني لم اجد تفسيرا لتلك الاحداث يقبله اي عقل في هذا الزمن .

تنزيل على الفور

novel.download.tips
تنزيل على الفور

novel.bonus

novel.bonus.content

novel.bonus.receive
NovelToon
فتح الباب إلى عالم آخر
لمزيد من التشغيل واللعب ، يرجى تنزيل تطبيق MangaToon