فقلت له: لكني لا أصدقك وانا نادرا ما انفي شيئا قبل التقصي عنه لكن ما تقوله جنون .
فقال : هل تريد إثباتا ؟
فقلت وانا ابتسم : وماذا ستفعل؟
قال : سأجعلك تراهم بعينيك و تسمعهم بأذنك .
فضحكت وقلت : واخيرا شخص يعرض علي دليلا ملموسا تفضل هات ما عندك .
فقال : وهل انت واثق من كلامك ؟... هل تريد فعلا ان تدخل الى هذا العالم؟
قلت بإستهزاء : بل أتوق لذلك !
فنهض وقال : حسنا ... انتظرني هنا .
ذهب قريب الكهل لغرفته ثم عاد وفي يده كتاب ووضعه في يدي وقال :
تذكر ان هذا كان قرارك..
أخذت الكتاب و ودعت قريبي و شكرته على حسن ضيافته وخلال مصافحتي له وقبل أن أترك يده شد على يدي بقوة وقال:
تذكر أنك أنت من اختار ...
فتبسمت في وجهه ابتسامة خالطها القلق لأن وجهه كان مقلقا وكأنه نادم على إعطائي الكتاب. ركبت سيارتي متوجها للمنزل وأنا أفكر في كلام قريبي العجوز وفي كلمة (علم الكتاب) تحديدا وكنت أقول في نفسي:
هل يمكن لقراءة كتاب أو كتابين أو حتى بضعة كتب أن تجعل أحد البشر متفوقا على أحد أبناء الجن؟» وخلال هذا التفكير و العصف الذهني بدأت أسترجع بعض ذكرياتي المحدودة عن قريبي العجوز تذكرت أنه كان رجلا منطويا وغير اجتماعي وقليل الكلام و نادرًا ما يناقش ويشارك في الحوارات التي ترمى في المجلس من وقت لآخر لكنه إذا تكلم وقرر المشاركة أفحم و أسكت الحضور وتذكرت أيضًا أنه فقد أحد أبنائه في حادث مروري وأنه أيضًا كان يتعالج لفترة طويلة في الداخل والخارج، لم أتذكر المرض الذي كان يعاني منه وقتها لكنه انتقل بعدها للعيش مع ابنه الأكبر بعد ما توفيت زوجته قبل سنوات قليلة ماضية.
دخلت المنزل وتوجهت لغرفتي مباشرة وكنت مرهقا جدا من يومي الطويل فرميت الكتاب على الطاولة وجسدي على السرير وغصت في نوم عميق، استيقظت في الصباح ودخلت في الروتين اليومي من استعداد للذهاب للجامعة وممارسة كل ما اعتدت القيام به من زيارات مسائية لأصحابي وبعض المناسبات العارضة ونسيت أمر الكتاب الذي أعطاني ياه قريبي العجوز لمدة تجاوزت الشهر.
...الليلة المشؤومة...
عدت ذات ليلة متأخرا للمنزل بعد سهرة مطولة مع أصحابي لكن النوم قد جافاني تلك الليلة ولم أستطع النوم بالرغم من محاولاتي العديدة، لمحت الكتاب الملقى على الطاولة منذ أكثر من شهر وقد جمع على غلافه غير المعنون بعض الغبار توجهت للكتاب وقربته من شفتي ونفخت عنه أثر نسياني له. استلقيت على سريري وبدأت بتصفحه بدافع الملل لا الاهتمام، لم يكن للكتاب اسم مؤلف أو فهرس أو دار نشر أو حتى ترقيم للصفحات كان الكتاب غريبا بلا عنوان على غلافه أو داخله ومحتواه كان يبدو كالمدونة وكان الورق مائلا للصفرة وأطرافه مهترئة. فتحت الكتاب من المنتصف وبدأت أتصفحه ولم أفهم شيئًا مما كان مكتوبا فيه. لم يكن للكلام المدون على صفحاته معنى يشد انتباهي حاولت القراءة بتمعن وتركيز أكثر، لكن الكتاب بدا لي عاديا جدا فقد كان يتكلم عن الروحانيات والعالم الآخر وأمور كنت أراها في ذلك الوقت سخيفة ومجرد خيال لا أكثر فلم أكمل الكتاب ورميته على المنضدة التي كانت بجانبي وذهبت للنوم مباشرة. حلمت في تلك الليلة بشخص ذي لحية بيضاء يلبس ثوبا أبيض قصيرًا بلا جيوب وطاقية بيضاء صغيرة بالكاد تغطي رأسه وكان يقول لي:
" أكمل ما بدأت !! "
وأخذ يكررها حتى استيقظت من النوم بأنفاس ثقيلة ومتسارعة بالرغم من أني لم أجزع لتلك الدرجة وكان ذلك حوالي الساعة الثانية .....
31تم تحديث
Comments