بالكتب التي قرأتها ذلك اليوم ثم فتحت الكتاب الثاني فوجدته مختلفا فقد كان مكتوبا بخط اليد فقلت له :
ما الذي تريد قوله لي ؟
قال: هناك نوعان من الكتب.. الكتب المطبوعة وهي كتب جيدة لكنها ليست نادرة ويوجد منها عدة نسخ لكن الكتب المكتوبة بخط اليد لا يوجد منها إلا نسخة واحدة أو على أكثر تقدير نسختان في هذا العالم وأنا أملك منها خمسة.
فقلت له : ولماذا تخبرني ذلك ؟
فقال: لا تقرأ الكتب المكتوبة بخط اليد
فقلت: لماذا ؟
فقال : لست مستعدا لها بعد.
فقلت: لكن ربما خلاصي موجود بين طياتها.
فقال : لا تقلق أنا أدرى بمحتواها . وهي لا تحتوي على شيء يفيدك.
لم أجادل (عمار ) كثيرًا لأني لم أكن حريصًا على قراءة المزيد من كتبه بل في الواقع كنت سعيدا لأن الكتب التي يتوجب علي قراءتها الآن قد نقصت خمسة كتب.
بعد ساعات من القراءة تحت ضوء المصباح دخل علي (عمار) قبل
الفجر وقال:
يجب أن تنام الآن
فقلت له: لا أستطيع .. يجب أن أجد ضالتي
فقال: هذا ليس طلبا بل أمر
فقلت: أنا متعب على أي حال.. أين سأنام؟
عاد (عمار) لغرفة المعيشة ثم عاد ومعه لحاف متين وأعطاني إياه وقال:
سوف تنام بالمكتبة على الأرض.
فقلت له : ألا تملك وسادة؟
فقال: لا تحتاج لها
ثم خرج وأغلق علي الباب ...
الأسبوع الأول مع (عمار):
الأيام الأولى في منزل ( عمار ) كانت الأصعب فقد كنت مثل السجين الذي يريد أن يخرج من سجنه وينهي معاناته وكنت في حالة نفسية غير مستقرة. كنت شديد العصبية خاصة بعد فوات رحلتي التي كانت ستأخذني لبلادي. كنت أقرأ بسرعة وعلى عجالة بين الكتب كي أصل لهدفي المجهول بأسرع وقت ممكن وتجاهلت نصائح (عمار) بالتروي والتدبر في الكلمات المكتوبة وعدم المرور عليها مرور الكرام. لم أستمع لكلامه واستمررت أقرأ بطريقتي لكن دون جدوى. فلم أكن أفهم ما اقرأ ولم أكن أعرف عن ماذا أبحث فقد كنت في دوامة ناهيك عن بعض الكلام المقزز المكتوب في تلك الكتب من تمجيد للشياطين. لقد كانت هذه الكتب أشبه بتلك الهريسة المقرفة التي تناولتها مع (عمار) في أول يوم والتي اتضح لي فيما بعد أنها طعامه اليومي ولا يأكل غيرها ولم يكن أمامي خيار غير أكلها معه.
لقد فرض علي نظام حياة جديد ومختلف عن نظام حياتي. كان (عمار ) يقفل الباب علي في المكتبة من المغرب وحتى شروق الشمس ولا يترك معي إلا المصباح وقليلا من الزيت يكفي لساعتين من القراءة ولم أكن أعرف السبب لفعله ذلك.. قلت في نفسي وقتها لعله لا يريد تحمل نفقات الزيت المكلفة.
واجهت (عمار) في اليوم الرابع تقريبا وسألته عن سبب إغلاقه باب المكتبة علي في المساء فقال:
ولماذا تريد الخروج ؟
فقلت له: لا أريد الخروج لكني لا أريد الإحساس بأني سجين فيها.
فقال: أنت بالفعل سجين فيها وعندما تدرك ذلك سترتاح
صرخت في وجهه وقلت: الموت أهون مما أنا فيه
فقال: الموت ينتظرك في الخارج وأنا لم أمنعك من معانقته
سكت وأنزلت بصري إلى الأرض وعدت للمكتبة لإكمال القراءة ...
الشهر الأول مع (عمار):
قد تكون هذه الفترة أصعب فترة قضيتها مع (عمار) فقد كنت فيها مستاء جدا وبدأت أمل من القراءة ومن الطعام ومن كل شيء. مرضت في هذه الفترة مرتين وكان (عمار) يسقيني شرابا غريبا خلال مرضي وبالرغم من أن مرضي في المرتين كان مختلفًا إلا أنه كان يسقيني الشراب نفسه. لم أمانع طعمه المر لأنه كان تغييرا لطيفا عن تلك الهريسة المقرفة. خلال ذلك الشهر بدأت التعرف أكثر على روتين (عمار) اليومي وبدأت أنتبه لغرابة نمط الحياة التي كان يعيشها فقد كان قليل الخروج من المنزل ويكتب أكثر مما يقرأ وكان يتمتم أحيانًا بينه وبين نفسه بعض الكلمات التي لم أفهمها ناهيك عن التحدث مع نفسه أحيانًا. ومع ذلك لم يكن (عمار) حريصا على إخفاء أسلوب حياته الغريب عني فقد كان يتعامل معي وكأني غير موجود أو معتاد على هذه الأمور. وبالفعل مع الوقت
بدأت أتعود على ما أراه.
المنزل الذي كنت فيه مكون من غرفة للمعيشة وغرفة نوم صغيرة
جدا كان (عمار) يأوي إليها في المساء بالإضافة للمكتبة التي احتلت أكبر مساحة من المنزل ولم أكتشف عدم وجود دورة للمياه إلا بعد اليوم الأول عندما احتجتها فقال لي (عمار):
أنا أقضي حاجتي في الخارج...
فقلت له : وما العمل.. أنا لا أستطيع الخروج من هنا
فضحك (عمار) بقوة فقلت له :
هل هذا وقت الضحك ؟
فقال: عذرا لكن حالتك الآن مضحكة !
فقلت له: أعطني الحل واضحك كما تشاء.
فخرج (عمار) للخارج وعاد ومعه دلو معدني وقال:
ستكون هذه دورة المياه الخاصة بك طيلة فترتك هنا.
لم أجادله ودخلت المكتبة وقضيت حاجتي ثم عدت وقلت له :
أحتاج للماء كي أغتسل.
فقال: الماء شحيح هنا والبئر الذي أحضر منه الماء ليس بالقريب.
فقلت له: أرجوك لا أستطيع البقاء دون الاغتسال.
فتعاطف معي ) أول مرة وأحضر لي الماء.
كانت تلك الفترة صعبة وشاقة فقد سلبت مني الكثير من وسائل الحياة التي كنت أعتبرها من المسلمات فقد كان الاستحمام مرة في الشهر وشيئا فشيئًا أقنعت (عمار) بتوفير ماء الاستحمام لي مرة في الأسبوع لكن عندما حل الشتاء القارس وكان الماء شبه متجمد لم أستحم لأكثر من شهرين.
لم أشرب غير الماء و (عمار) كان يحتسي مشروبا ساخنًا من وقت لآخر
وكنت أسأله:
هل هذا شاي أم قهوة ؟
وكان يجيب هل تريد بعضه ؟
وكنت أقول: أريد أن أعرف محتواه أولا
وكان يرد وهو يأخذ رشفة أخرى: صدقني لا تريد أن تعرف
31تم تحديث
Comments