لعنه ام قدر

كان الظلام كثيفًا في تلك الليلة، لكنني لم أكن أخشاه.

كنتُ طفلًا آنذاك، بالكاد أتجاوز السادسة من عمري، أجلس وحدي على حافة الجرف المُطل على وادي "فاليرا". السماء فوقي كانت مشتعلة بالنجوم، لكن حتى نورها لم يكن قادرًا على اختراق البرودة التي أحاطت بروحي.

عالمي—"فاليرا"—لم يكن أرضًا رحيمة. جباله القاسية وسهوله الشائكة تعكس طبيعة سكانه؛ قومٌ لا يعترفون إلا بالقوة. كان هذا العالم منقسمًا بين عشائر لا تُحصى، كل منها تناضل لترسيخ سيادتها. كانت عشيرتي، عشيرة "كريفا"، الأقوى بينها.

أقوى بسبب والدي.

كان والدي زعيم العشيرة، رجلًا لا يُهزم في المعارك، ولا يرحم في حكمه. كانوا يقولون إنه جلب العظمة لـ"كريفا" بسيفه وحده. لكنه لم يكن يراني ابنًا له.

بل… تهديدًا.

لطالما شعرتُ أنني مختلف. كان ذلك واضحًا حتى قبل أن أعي ما تعنيه "اللعنة".

في يوم ولادتي، قيل إن السماء انشقّت إلى نصفين، وصوتٌ غامض دوّى في أنحاء "فاليرا". لم يرَ أحد ذلك كعلامة خير.

وهم لم يخطئوا.

"لا أحد يريدك هنا."

تذكرتُ الكلمات التي سمعتها مرارًا، سواء من همسات النساء العجائز أو النظرات القاتمة في عيون المحاربين. كانوا يظنون أنني لا أفهم… لكنني فهمت.

لم يكن الأمر مجرد كره. كان خوفًا.

في إحدى الليالي، عندما كنتُ في الرابعة من عمري، بدأتْ الأمور تتغيّر. كنتُ ألهو قرب النهر، أُحاول أن أُشعل نارًا صغيرة كما يفعل باقي الأطفال، لكن ما أطلقته لم يكن شعلة عادية.

كانت يداي قد اشتعلتا بطاقة مظلمة. قوة باردة، بعيدة عن أي شيء طبيعي.

في البداية، لم أفهم ما حدث. لكن والدتي رأت ذلك. نظرتْ إليّ كما لو أنني كائن وُلد من العدم.

بعد ذلك، بدأوا يحاولون قتلي.

السم في طعامي… فخاخ مدسوسة في مساراتي… ذات مرة، استيقظتُ لأجد خنجرًا موجهًا إلى عنقي.

لكني لم أمت.

كل مرة يحاولون إبعادي عن الحياة… كنتُ أعود أقوى.

وفي كل مرة، كان الخوف في عيونهم يزداد.

كانوا يتهامسون خلف ظهري:

"ملعون."

"شيء يجب التخلص منه."

"حتى والده لن يحميه طويلًا."

لكن والدي لم يحمني أبدًا.

أتذكر آخر مرة التقيتُ عينيه. كنتُ قد بلغت الثامنة. أصبتُ أحد المحاربين الكبار دون قصد عندما حاول ضربي. كسرته. رأيتُ العظام تخرج من جلده…

حينها، استدعاني والدي.

وقفتُ أمامه في قاعة العرش الحجري، حيث كانت تُرسم مصائر العشيرة. كان يُمسك بسيفه القديم، ذاك السيف الذي شقّ به عروش أعدائه.

قال لي دون أن ينظر: "أنتَ خطأ."

"لكنني…" حاولتُ أن أُبرّر نفسي.

قاطعني، وعيناه كأنهما جليد: "لا شيء يمكن أن يأتي من وجودك سوى الخراب. لن تكون وريثي."

كلماته حفرت في داخلي أعمق مما فعل أي خنجر.

كنتُ أبحث عن القبول. لكنه منحني النفي.

منذ ذلك اليوم… توقفتُ عن البحث عن أي شيء.

استيقظتُ من ذكرياتي، والبرد لا يزال يلفّ جسدي.

كنتُ أجلس في الغابة، حيث انسحبتُ بعد معركتي مع "ليلين". الألم لا يزال يخترق كتفي رغم أن السهم لم يعد هناك.

نظرتُ إلى يدي. الطاقة التي كانت تتدفّق مني ذات يوم كأنها اختفت. كنتُ أضعف مما ينبغي. أضعف مما أسمح لنفسي أن أكون.

لم يكن عليّ أن أكون هكذا.

ضغطتُ على قبضتي، وشعرتُ بظلّ تلك الكلمات يهمس في عقلي:

"لا شيء يمكن أن يأتي من وجودك سوى الخراب."

رفعتُ رأسي إلى السماء، حيث شقّت الغيوم طريقًا أمام ضوء خافت.

قلتُ كلمة واحدة، بصوت بالكاد يسمعه أحد سوى الظلام: "Miden".

تنزيل على الفور

novel.download.tips
تنزيل على الفور

novel.bonus

novel.bonus.content

novel.bonus.receive
NovelToon
فتح الباب إلى عالم آخر
لمزيد من التشغيل واللعب ، يرجى تنزيل تطبيق MangaToon