كانت الطبول قد خفتت… لكن شيئًا آخر ارتفع مكانها.
إحساسٌ ثقيل، مشحونٌ بالتوتر، ينساب في الهواء، يسبق العاصفة التي شعرتُ أنها قادمة. ورغم هدير الحشد وصخب المدينة، لم يكن هناك صوت أعلى من الأوتار المرتجفة لذاك القوس… قوسها.
السهم الأول لم يكن تحذيرًا. كان إعلانًا بأن وجودي هنا لن يمرّ دون مواجهة.
عندما التقت نظراتنا، رأيتُ ما هو أكثر من مجرّد تحدٍ في عينيها—رأيتُ يقينًا قاتلًا.
قالت ببرود، "كنتُ أعلم أنك ستأتي."
تقدّمتُ ببطء، أراقب كل حركة تقوم بها. لم يكن هناك تردد في وقفتها، ولم يكن قوسها مجرد سلاح، بل امتداد لإرادتها. ومع ذلك، رغم ثباتها الظاهر، كنتُ أشعر بما هو أبعد من ذلك… شعرتُ بخوفٍ تحاول إخفاءه.
"إذن…" قلتُ بصوت هادئ، يحمل في طياته تهديدًا خفيًا، "قررتِ الترحيب بي بالسِهام؟"
"أنت لست ضيفًا." شدّت على وتر القوس. "أنت تهديد يجب أن يُوقف."
ضحكتُ بسخرية، "كلمات كبيرة… لكن هل تستطيعين تنفيذها؟"
لم تُجب. بدلاً من ذلك، رفعت القوس مجددًا.
رأيتُ الوهج المتوهّج على طرف السهم قبل أن يُطلق. تحرّكتُ بسرعة خاطفة، ألتفّ بجسدي لتفاديه. مرَّ السهم بمحاذاة وجهي، تاركًا خلفه حرارة حادّة، لكنه لم يكن مجرد حرارة—لقد شعرتُ به يسحب شيئًا من وجودي.
توقفتُ وأعدتُ النظر إليها. "هذا ليس سهمًا عاديًا."
ابتسمت ببرود، وعيونها البنيه تحمل يقينًا قاتمًا. "ولستَ عدوًا عاديًا."
بلا تحذير، اندفعتُ نحوها.
تلاشت المسافة بيننا في طرفة عين. ضربتُ بقبضتي الأرض، أرسل موجة صدمة اجتاحت الساحة. الحشود، التي كانت تراقب في صمت متوتر، بدأت في الصراخ والهرب في كل اتجاه، بينما انبعث الغبار والحصى في الهواء.
لكن ليلين لم تتحرّك.
في اللحظة التي كدتُ أقترب منها، أطلقت سهمًا آخر. تفاديته في اللحظة الأخيرة، لكن طرفه خرق كتفي، ألم حارق انتشر عبر جسدي. شعرتُ به يعلق بروحي نفسها، كما لو أن شيئًا داخلي قد انكسر.
"ليس سيئًا…" تمتمتُ، وأنا أقاوم الألم.
"وما زلتَ بطيئًا." ردّت قبل أن تُطلق سهمًا ثالثًا.
هذه المرة، أمسكتُ بالسهم في الجو. الحرارة التي انبعثت منه أحرقت كفّي، لكنني كسرتُه بين أصابعي. اندفعتُ نحوها من جديد، مستخدمًا قوتي لدفعها بعيدًا.
انحرفت بسرعة، وخنجرها في يدها اليسرى انطلق فجأة باتجاه عنقي. أوقفتُ ضربتها بساعدي، لكن الحدة الشرسة في ضرباتها فاجأتني. لم تكن فقط ماهرة… كانت مدرّبة على مواجهتي تحديدًا.
"ألم يُخبركِ أحد أن اللعب بالنار خطير؟" سألتُها بينما التفتُّ خلفها بضربة سريعة.
استدارت بمهارة، وسيفٌ قصير انطلق من حزامها ليصدّ قبضتي. اصطدمت طاقتنا ببعضها البعض، تولّدت موجة أخرى دفعت الحشود إلى التراجع أكثر.
الذعر بدأ يملأ الساحة.
"أعرف ماذا فعلتَ بسيرافيم." قالت، بينما كادت شفرته تلامس رقبتي.
"كان يستحق ما حدث له." دفعتُها إلى الوراء بقوة، لتترنّح للحظة قبل أن تستعيد توازنها.
"كان رمزًا لعالمه." قالت بحدة.
"وكان أحمقًا لاعتقاده أن بإمكانه الوقوف في وجهي."
اندفعتُ مرة أخرى، لكنّها كانت أسرع هذه المرة. أطلقتُ موجة طاقة مظلمة لتُعيق حركتها، لكنها قفزت فوقها برشاقة، وانطلقت سهامها بسرعة متتالية.
تفاديتُ الأول.
صدَدْتُ الثاني.
لكن الثالث… أصابني.
شعرتُ بالسهم يخترق كتفي الايمن، يعلق حتي العمق، ومعه اندلعت موجة من الألم البارد—ألم لا يُشبه أي شيء شعرتُ به من قبل. جسظي خذلني للحظة، وسقطتُ على الأرض.
"ما هذا؟" تمتمتُ، وأنا أضغط على الجرح.
اقتربتْ، قوسها لا يزال مرفوعًا. "السهم الوحيد القادر على إيقاف شيء مثلك."
لم أستطع الشعور بقوتي وهي تتعافى… لم أستطع حتى دفع الألم بعيدًا. وكأنّ هذا السهم قد عطّل جوهر ما يجعلني منيعًا.
"الآن…" قالت بصوت منخفض، "إمّا أن تنسحب… أو أنهي هذا هنا."
نظرتُ إليها، ولم أرَ خوفًا في عينيها—فقط عزيمة باردة.
لم يكن لديّ خيار.
"هذه ليست النهاية." قلتُ بهدوء، قبل أن أرفع يدي، مُطلِقًا موجة عنيفة من الطاقة دفعت الجميع إلى الوراء. وبينما كانت تنحني لتتجنب الانفجار، استغللتُ الفرصة واختفيتُ في ظلال المدينة.
داخل قصرها المظلم، جلستْ ليلين أمام الطاولة الحجرية. القوس كان مُلقًى بجانبها، بينما كانت تُقلّب سهمًا بين أصابعها، تتأمّل النقوش التي غطّته.
"لا يجب أن أسمح له باستعادة قوته." قالت لنفسها، وعيناها تتأملان الضوء الداكن الذي ينبض في قلب السهم.
ما زالت تشعر بوجوده في هذا العالم… وهذه المرة، لن تدعه ينتصر.
في أعماق الغابة خارج المدينة، جلستُ بجوار جذع شجرة قديمة. الألم في كتفي ينبض بإصرار، والسهم لا يزال مغروزًا بداخلي.
قبضتُ عليه ، وسحبته بقوة رغم اللهب الحارق الذي انفجر داخلي. شعرتُ بطاقة مظلمة تتلاشى ببطء.
نظرتُ إلى السهم في يدي، الضوء الخافت الذي كان يلمع فيه مألوفٌ جدًا… مألوف بطريقة تُزعجني.
ابتسمتُ لنفسي.
"إذا اعتقدتِ أن هذا سينتهي هنا…" همستُ، قبل أن أترك السهم يسقط على الأرض.
لقد أيقظتْ شيئًا كان من الأفضل أن يظل نائمًا.
21تم تحديث
Comments