كان عالم إيلاريا مختلفًا عن نيرفانا بكل الطرق الممكنة. هنا، الطبيعة لم تكن مسالمة أو خلابة، بل كانت صارمة، قاسية، كأنها تختبر كل من يجرؤ على دخولها. السماء فوقي كانت ممتلئة بسحب أرجوانية ثقيلة، كأنها توشك أن تمطر نارًا بدل الماء. الرمال، التي تمتد بلا نهاية، تلمع تحت الضوء الخافت وكأنها تختزن في داخلها أسرارًا لا تُقال. شعرت أن هذا العالم ينبض بالحياة، لكنه حياة من نوع مختلف، حياة أشبه بصراع دائم للبقاء.
كانت هذه الأرض تحمل وزنًا خاصًا، ليس فقط بسبب قسوتها، بل بسبب ألينيوس، الرجل الذي سأواجهه قريبًا. لم يكن مجرد خصم؛ كان التحدي التالي في رحلتي لاستعادة ما هو لي.
بينما كنت أسير، شعرت بحضور مألوف يقترب. ظهرت الظلال من حولي بهدوء، أشكالها المتغيرة تتحرك كأنها انعكاسات للأفق المتلألئ. انحنت أمامي برهبة، كأنها تدرك أن وجودها ذاته يعتمد على إرادتي. تحدثت إحداها بصوت خافت لكنه واضح:
"سيدي، جمعنا المعلومات التي طلبتها."
أشرت لها بمتابعة الحديث.
"ألينيوس، بطل إيلاريا، ليس ملكًا مثل سيرافيم. إنه قائد الجيوش، رجل بسيط عاش حياته في خدمة شعبه. فقد زوجته منذ سنوات طويلة، وله ولدان يعيشان في العاصمة فينار. رغم قوته، لا يسكن القصور ولا يعرف حياة الرفاهية. يعيش كما يعيش باقي شعبه، في منزل بسيط بالقرب من الحدود الجنوبية."
توقف الظل للحظة، وكأنه يمنحني وقتًا لاستيعاب المعلومات. ثم أكمل:
"ألينيوس رجل عادل، محبوب من جنوده ومن شعبه. لكن قوته ليست في سلطته أو ثروته، بل في مهارته وشجاعته. إنه محارب من طراز نادر."
ابتسمت، تلك الابتسامة التي تحمل في طياتها خليطًا من السخرية والرضا. كان واضحًا الآن أن ألينيوس ليس مثل سيرافيم. لم يكن محصنًا بين جدران قصوره أو مشغولًا بإحكام قبضته على شعبه. كان مختلفًا تمامًا، وهذا الاختلاف هو ما سيجعله أكثر عرضة للهزيمة.
"أخبروني عن جيشه."
"جيشه كبير، لكن أغلبه موزع على أنحاء إيلاريا لحماية القرى والمزارع من الوحوش. مع ذلك، لديه قوة أساسية تحت قيادته مباشرة في العاصمة. يعتمد على أسلوب استراتيجي في القتال، يعرف كيف يستغل كل نقطة ضعف في خصمه."
رفعت يدي لإيقافهم. لم أكن بحاجة لمعرفة المزيد عن قوته العسكرية. ألينيوس كان مقاتلًا بارعًا، هذا واضح، لكن معرفتي بحياته الشخصية كانت المفتاح الحقيقي لهزيمته.
"يمكنكم الذهاب الآن. راقبوه عن بعد، لكن لا تتحركوا إلا إذا أمرتكم."
انحنت الظلال مرة أخرى قبل أن تتلاشى كأنها لم تكن. بقيت وحدي، والصحراء تمتد أمامي كأنها ترحب برحلتي القادمة.
جلست على صخرة كبيرة، أراقب الأفق الهادئ. ألينيوس كان رجلًا ملتزمًا بشعبه، وهذه نقطة ضعفه الكبرى. لن أحتاج إلى مواجهة جيشه أو الدخول في معارك طويلة. إذا أردت أن أضعفه، فعلي أن أضرب في قلب حياته الشخصية، في ما تبقى له من روابط إنسانية.
زوجته كانت قد رحلت، لكن ولديه لا يزالان في العاصمة فينار. هذان الشابان هما ما يربطه بالحياة. إذا تمكنت من التأثير عليهما، سيصبح ألينيوس ضعيفًا، مشتتًا، وعاجزًا عن التركيز على مواجهتي.
لكن هذا لم يكن كل شيء. كان علي أن أتعامل مع ألينيوس بذكاء، أن أجعله يدرك أن العالم الذي يحاول حمايته ليس كما يظن.
مع حلول الليل، بدأت خطتي. دعوت ظلالي من جديد، هذه المرة بأمر محدد:
"توجهوا إلى فينار. راقبوا ولدي ألينيوس. أريد أن أعرف كل شيء عنهما. أصدقاؤهما، حياتهما اليومية، نقاط ضعفيهما. لا تتحركوا ضدهما، لكن ابقوا قريبين."
مرة أخرى، انحنت الظلال قبل أن تختفي في الظلام.
كان لدي شعور غريب بالرضا. على الرغم من كل قوته وشجاعته، ألينيوس لن يكون قادرًا على مواجهة ما ينتظره. أنا لا أقاتل بالقوة فقط، بل بالذكاء أيضًا.
بعد أن أعطيت أوامري، بقيت جالسًا لبعض الوقت، أراقب السماء المليئة بالنجوم. بدا لي أن هذه النجوم، رغم بعدها، تراقب ما يحدث هنا في إيلاريا، كما لو كانت شاهدة على التغيير القادم.
"ألينيوس..." همست باسمه، كأنني أستدعيه من بعيد. "قد تكون قويًا، قد تكون شجاعًا، لكنك لست مستعدًا لي. لن تكون يومًا مستعدًا."
نهضت، وبدأت السير نحو العاصمة فينار. الطريق كان طويلًا، لكنني كنت أعلم أن كل خطوة تقربني أكثر من هدفي. في هذا العالم القاسي، سأستعيد جزءًا آخر من روحي، وسأترك خلفي أثرًا لا يُنسى.
21تم تحديث
Comments