...كما لو كانت في انتظار ذلك، هدأَت الرياح....
...وعندما استقرَّت خصلات شعرها التي كانت تتطاير بعشوائية، ظهرت ملامح جوناس، فرسمت ابتسامةً خفيفة....
...لم تكن تلك الابتسامة التوَّاقة التي كانت تبحث عن المودة كما في الماضي. بل كانت مجرد ابتسامة خفيفة خالية من أي مشاعر....
...شعر أورتي بخيبة أمل طفيفة عندما رأى وجه جوناس، إذ لم يكن هناك أي تغيير في تعابيره....
...كان من الواضح أن جوناس يتقن التحكم في ملامحه أكثر من أفراد عائلة الدوق ويكيند. بل الأدق أن نقول أنه كان يخفي مشاعره تجاهها....
..."......هل تدركين حتى ما الذي قلتِه الآن؟"...
...أمال أورتي رأسها متسائلةء...
..."ألم تكن تعلم بذلك، أيها النائب؟" ...
...قالت أورتي ذلك وهي يظن أنها عبَّرت عن نفسها بكل بساطة....
...ثم ألقت نظرةً خاطفة نحو الأسفل عبر النافذة. وعندما مالت بجسدها قليلًا إلى الخلف، عادت خصلات شعره لتتراقص مجددًا مع الرياح التي هبت من جديد....
...أصيب أورتي بجرح في عنقها بفعل أداة حادة ثلاث مرات. كانت اثنتان منها بسبب الآخرين، أما الأخيرة فكانت من أجل نفسها....
...كانت تعتقد أن السقوط من ارتفاع شاهق لن يكون بالأمر السيئ....
...منذ زمن بعيد، كانت تعشق الطيور، تلك التي تبسط أجنحتها الجميلة وتحلق بحرية وجمال. و شعرت بأنه ربما، في لحظة السقوط، قد تتمكن من الشعور وكأنها أصبحت طائرًا....
...وفي اللحظة التي اجتاحها اندفاعٌ مفاجئ، وارتفعت قدماها قليلًا عن الأرض....
..."أورتي!"...
...أفاقت على صوت مدوٍّ كالرعد. و وجدت أن جوناس قد أمسك بكلتا كتفيها وسحبها إلى الخلف. ...
...عندها فقط أدركت أن جسدها كان قد مال بالفعل إلى خارج النافذة....
..."أنتِ......!"...
...صرخ جوناس بوجه شاحب، مما جعل أورتي تشعر بخيبة أمل. فقد كانت نظرات جوناس إليها معقدة، لكنها لم تحاول تفاديها....
...للحظة، أدركت أنها لم تكن بهذا القرب من جوناس من قبل. لطالما تجنبها كما لو كانت وباءً، مما جعلها من المستحيل عليها الاقتراب منه....
...ولسبب ما، كانت حرارة جسد جوناس، التي شعرت بها من خلال قبضته على كتفيها، مزعجةً للغاية....
...لم يكن هذا هو الدفء الذي توقعته أورتي، فقد كانت تريد شيئًا أكثر حرارة، و أكثر حناناً ونعومة، تمامًا مثل ذلك الصوت.........
..."ماذا تفعلان؟"...
...استدارت أورتي عند سماعه ذلك الصوت البارد....
...و كان الدوق ويكيند....
...كانت ملامحه قاسيةً ومتجهمة إلى أقصى حد....
...أطلقت أورتي تنهيدةً وهي تفكر بأن حظها كان سيئًا للغاية اليوم....
...كان من المعتاد أن تُرسَل الهدايا كل عام، لكن على غير العادة، لم يكن كاهنًا عاديًا هو من جاء هذه المرة، بل جوناس....
...وبما أن جوناس كان نائب قائد فرسان الهيكل، لم يكن من السهل التعامل معه، ولهذا جاء الدوق بنفسه....
...كانت هذه أول مرة تلتقي فيها بالجميع في ذكرى وفاة القديسة....
...لذلك، انشغلت أورتي بأفكارها ولم تلحظ نظرات دوق ويكيند التي كانت مركزةً على يد جوناس، التي لا تزال ممسكةً بكتفيه....
...أما جوناس، بصفته فارسًا بارعًا، فقد أدرك بسرعة إلى أين تتجه تلك النظرات، فارتبك وتراجع إلى الخلف بسرعة....
..."آه......"...
...بسبب ذلك، فقدت أورتي، الذي كانت غير متأهبة، توازنها وكادت أن تسقط، لكنها أمسكت بإطار النافذة واستعادت توازنها....
...شعرت بألم خفيف في كاحلها، مما جعلها تقطب حاجبيها قليلًا....
...لكن رغم ذلك، لم تكن يرغب في البقاء للحظة أخرى مع الدوق ويكيند، لذا بدأت بالمشي وهي تعرج قليلًا....
...ألقت نظرةً خاطفة على الدوق، ثم انحنت له قليلًا قبل أن تمر بجانبه. و تعمدت ألا تصدر أي صوت....
...فذلك الرجل كان متوترًا بما يكفي، وإذا سمع صوتها الآن، فقد ينفجر غضبًا....
..."أورتي."...
...ناداها الدوق ويكيند بصوت منخفض، مما جعلها تتوقف....
..."انتظريني في مكتبي."...
...دون أن ترد، واصلت أورتي سيرها بعد لحظة من التوقف، وغادرت غرفة الاستقبال....
...قبل أن تُغلق الباب تمامًا، سمعت بالكاد أصوات حديث بين الاثنين....
...وقفت للحظة في مكانها، ثم اتجهت إلى مكتب الدوق. و وجدت كبير الخدم بانتظارها عند الباب....
...رافقها كبير الخدم إلى الداخل، حيث دخلت أورتي إلى المكتب. وكالعادة، توجهت إلى المقعد الذي كانت تجلس عليه دائمًا....
...لكنها قبل أن تجلس، ألقى نظرةً على أرجاء الغرفة....
...كان دوق ويكند يتجنب القرب من الآخرين، حتى أنه لم يُبقِ خادمه الشخصي بجانبه باستمرار....
...لذلك، لم يكن المكتب يُنظَّف إلا في غيابه....
...وكانت أورتي، في مقابل بضع حُليّ نادرة، تطلب من إحدى الخادمات المكلَّفات بالأعمال البسيطة أن تتولى تنظيف المكتب....
...كان هذا سرًّا آخر لا يعرفه أحد....
...لذلك، كان بإمكان أورتي، دون أن يلحظ الدوق أو كبير الخدم، تغيير زهور المزهرية بشكل دوري....
...تلقائيًا، توجهت عيناها إلى المزهرية الموضوعة على المكتب. و كانت لا تزال تحتوي على تلك الزهرة الذابلة، غارقةً في ماء نقي....
...'حقًا، هو لا يهتم بأي شيء حوله.'...
...كان اهتمام الدوق ويكيند منصبًّا فقط على العائلة والقديسة....
...ابتسمت أورتي بسخرية من نفسها. فكم كانت حمقاء في الماضي....
...تلك الزهرة، التي لم يُكلف الدوق نفسه عناء استبدالها رغم مرور شهور على موتها، بدت وكأنها تعكس حالها تمامًا....
...لقد ماتت أورتي بالفعل قبل أن تقتلها عائلتها بأيديهم. ماتت بسبب نظراتهم، و كلماتهم، و أفعالهم....
...كانت حياةً تجردت من المشاعر الإنسانية الطبيعية، وحل محلها شعورٌ عميق بالعجز....
...حتى لو كانت لا تزال تتنفس، فهذا لا يعني أنها كانت حيّةً حقًّا....
...وإذا نظرنا للأمر بتمعن، فمكتب الدوق كان المكان الذي احتضن أصدق مشاعر الحب تجاه العائلة. ...
...لقد أرادت أن تنال المودة من كايسي، واللطف من كليف، والاهتمام من إيرين، والألفة من جوناس....
...كما أنها كانت تتمنى أن تنال الحب من الدوق ويكيند، لأنها كانت تحبه أكثر من أي شخص آخر....
...فهو كان أقرب شخص لها في هذا العالم، كان عائلتها، كان والدها. لهذا السبب، كانت أورتي تحرص على تنظيف مكتب الدوق بعناية....
...كانت تختار كل زهرة بعناية، ترتبها و تضعها في المكان المناسب، لتملأ المكان الذي يقضي فيه الدوق معظم وقته بأجمل الأزهار....
...لقد أحبته أورتي بشدة، لدرجة أنها أحبت حتى تلك اللحظات التي تقضيها في العناية بمكتبه....
...ففي كل مرة تقوم فيها بشيء، ولو كان بسيطًا، من أجل الشخص الذي تحبه، كانت تشعر بالسعادة والرضا....
..."أبي، هل يمكنني أن أتولى تنظيف مكتبكَ؟"...
...إلى أن سُلب منها حتى ذلك الدور على يد إيفون....
..."أنتِ؟"...
..."نعم، هكذا سأتمكن من قضاء وقت أطول معكَ، أليس كذلك؟ ومن يدري؟ ربما بذكائي هذا أتمكن من مساعدتكَ أيضًا!"...
...تسللت كلمات إيفون اللطيفة من خلف الباب، مما دفع أورتي إلى التحديق عبر شق الباب دون أن تتمالك نفسها....
...كانت إيفون تمسك بفنجان شاي يتصاعد منه البخار وهي تتحدث....
..."هل تظنين أنكِ قادرةٌ على القيام بمثل هذا العمل الشاق؟"...
..."أنا معتادةٌ على التنظيف، لذا لا بأس......آه."...
...كانت تتحدث بمرح وابتسامة مشرقة، لكنها فجأة عضت شفتيها بارتباك. و حتى التعبير الرقيق الذي كان مرسومًا على وجه دوق ويكيند تجمَّد في لحظة....
..."أنا آسفة، أبي، لن أتحدث عن الماضي مرة أخرى."...
..."لقد منعتكِ من قول ذلك لأن قلبي كان يتألم. كم كنتُ أحمقًا......فلم أكن أدرك أن ابنتي الحقيقية كانت تعاني إلى هذا الحد......"...
...شعرت أورتي بألم في صدرها....
...وأرادن أن تسأل.........
...'أبي......أبي......حتى قبل شهر واحد فقط، كنتَ تعتقد أنني ابنتكَ الحقيقية. فلماذا كنتَ تعاملني هكذا؟ طوال اثني عشر عامًا، لماذا فعلتَ ذلك بي؟'...
..."لا تقلقي، إيفون، لن تضطري إلى القيام بأي عمل شاق بعد الآن."...
..."لكنني ما زلتُ أرغب في تنظيف مكتبكَ. فمجرد التفكير في أنني أعتني بمكانكَ الخاص يجعلني أشعر بالسعادة."...
...عندها، ابتسم الدوق ويكيند ابتسامةً لم يسبق له أن أظهرها لأورتي، ثم أومأ برأسه موافقًا....
...هربت أورتي في النهاية مبتعدةً عن ضحكاتهما. ...
...كانت عيناها موجهتين إلى الأمام، إلى الفراغ الذي أمامها....
...على الرغم من أنهُ لم يكن حلمًا، إلا أن الماضي عاد إلى ذهنها بوضوح لأول مرة. علاوةً على ذلك، كانت هذه ذكرى من حياتها الأولى....
...كان الأمر الذي مرت به أورتي في الماضي غبيًا للغاية، ومؤسفًا، ولا قيمة له....
...نظرت أورتي إلى يديها اللتين كانت تمسك فيهما ثيابها بشدة، وشاهدت أصابعها البيضاء المرتعشة....
...ثم أطلقت تنهيدة....
...لم تعد تحب عائلتها بعد الآن. و لم تعد تتوقع شيئًا منهم....
...لكن جسدها، الذي يختلف عن عقلها، لا يزال في الثالثة عشرة من عمره. فعلى الرغم من أن عقلها المرهق كان قادرًا على التعامل مع مشاعرها بسرعة، إلا أن لجسدها الصغير رد فعل آخر....
...اهتز جسدها المرتعش كطفلةٍ خائفة، وكانت التوترات في جسدها مع تعبير وجهها الخالي من المشاعر تخلق حالةً من الغرابة....
...___________________________...
...الظاهر اني لآخر فصل ماغير ادعي على اهلها لين الفصول الاضافيه بعد ...
...مابعد شفت حرق هي بنتهم صدق ولا لا بس ودي تطلع صدق عشان تجي الحره اقوى عليهم ...
...وبعد ياويلها تسامحهم ...
...و جوناس ذاه مسوي الفارس المنقذ يوم مسكها طيب امسكها شوي شوي ياحمار كسرت كتفها ...
...Dana...
Comments