...فتحت أورتي عينيها....
...و رغم أن الفجر كان بعيداً، إلا أن عقلها كان صافياً. ...
...كانت ترمش محدقةً في السقف بشرود قبل أن تنهض....
...تسلل ضوء القمر الخافت من النافذة واستقر على وجهها. لذلك، رغم الظلام الذي يلف الغرفة، لم تُخفَ تعابير أورتي....
...كانت عيناها خاليتين من أي حياة، ووجهها شاحبًا لدرجة أنه اكتسب زرقةً باهتة....
...منذ بداية حياتها الرابعة، راودت أورتي الكثير من الأحلام عن ماضيها. لم تتذكر معظمها بوضوح، بل بقيت مجرد ظلال باهتة، ولم يكن يتبقى لها عند الاستيقاظ سوى شعور مزعج....
...لكن حلم الليلة كان مختلفًا. كان واضحًا من البداية حتى النهاية....
..."لماذا، بالذات......؟"...
...ارتعشت شفتاها وهي تهمس....
...كان الأمر قاسياً......لماذا حلمت بذلك اليوم تحديدًا؟ ولماذا، للمرة الأولى، تذكرت كل شيء بوضوح؟...
...مسحت أورتي جبينها المبلل بالعرق البارد ثم دفعت شعرها إلى الخلف. و توجهت عيناها نحو مدخل الحديقة عبر النافذة....
...لم تدرك أورتي إلا بعد مرور وقت طويل على دخولها إلى قصر الدوق ويكيند أن معظم الخدم يلازمون غرفهم في ذكرى وفاة القديسة. ...
...كان ذلك لأن القوى الثلاث المسيطرة في قصر الدوق يصبحون شديدي الحساسية في ذلك اليوم....
...منذ أن قضت ميلادها السابع بتلك الطريقة، اعتادت أورتي على البقاء بهدوء داخل غرفتها كلما اقتربت ذكرى وفاة القديسة....
...لكن أثناء تأملها لمدخل الحديقة، اجتاحها فجأة شعور اندفاعي، كما لو كانت أورتي ذات السبع سنوات في حلمها....
...نهضت من مكانها وسارت نحو الحديقة دون أن تنتعل حذاءها المنزلي....
...و لأن الليل كان لا يزال عميقًا وبقي وقت طويل قبل بزوغ الفجر، اعتمدت فقط على ضوء القمر الخافت لتشق طريقها....
...عندما دخلت الحديقة، دغدغ العشب قدمي أورتي....
...وقفت في المكان نفسه الذي كانت فيه أورتي ذات السبع سنوات تثرثر بوجه مليء بالتوقعات. ...
...ثم ظهرت أمامها أورتي الصغيرة، وكما في ذاكرتها تمامًا، احمرّت وجنتاها وأخذت تتحدث بحماس....
...نظرت أورتي إلى تعابير ماضيها المفعمة بالأمل بعينين باردتين....
..."أمي، أخيرًا سأقضي يوم ميلادي الأول مع عائلتي."...
..."يا لكِ من حمقاء وغبية، أورتي."...
..."أتمنى لو أن أمي كانت هنا أيضًا. أشعر بالامتنان لها دائمًا لأنها منحتني هذا العالم وهذه العائلة."...
..."لا أحد يحبكِ."...
...لم تكن أورتي ذات السبع سنوات قادرةً على سماع تلك الكلمات، لذا ابتسمت بسعادة....
..."أمي، أشعر أن هذا سيكون أسعد ميلاد في حياتي."...
..."لن يكون هناك ميلاد سعيد في حياتكِ." ...
.........حتى لحظة موتكِ....
...عندها، رفعت أورتي ذات السبع سنوات رأسها ونظرت إليها. التقت عيناهما، لكن أورتيه لم تُبدِ أدنى اضطراب وهي تواجه تلك العيون المتألقة بالأمل....
...بدت الطفلة وكأنها تميل برأسها بحيرة، لكنها سرعان ما رسمت ابتسامةً مشرقة مجددًا....
...تلاشت الصورة الضبابية، فمدّت أورتي يدها لتتحسس وجهها البارد....
...و كان وجهها مبللًا بالدموع....
...شعرت أورتي بالحزن....
...كرهت أولئك الذين قتلوا وأحرقوا بريق عينيها مرارًا وتكرارًا. وفي الوقت نفسه، شعرت بالشفقة على نفسها....
..."لن يكون هناك لحظة واحدة في حياتكِ القادمة تكونين فيها سعيدة." ...
...وجّهت أورتي كلماتها إلى نفسها ذات السبع سنوات، التي لم تعد موجودة....
..."لقد بذلتِ جهدكِ حتى الموت، وفي النهاية متِّ، ومع ذلك، لم يحبوكِ ولو قليلًا."...
...رغم معرفتها أن كلماتها لن تصل، تابعت أورتي حديثها حتى النهاية....
..."لذا، لا تبذلي جهدًا بلا طائل." ...
...لا تحبي من سحقوا جهودكِ ومشاعركِ. ...
...لا تفعلي ذلك....
..."عيشي حياتكِ."...
...أنا الآن لا أستطيع، لكنكِ ستتمكنين من ذلك....
...انسيهم تمامًا، لا تتوقعي حبهم، وواصلي العيش بهذه الطريقة....
...***...
...رفع كليف عينيه عن الأوراق....
...رمش بعينيه الجافتين، ولم يدرك أنه أمضى الليل ساهرًا إلا في تلك اللحظة. فقد كان الإرهاق المألوف الناتج عن السهر يضغط على جسده....
...لم يتمكّن كليف من النوم بشكل جيد منذ أيام. لكنه لم يتخذ أي إجراء، لأنه كان يعرف السبب جيدًا....
...رفع رأسه ونظر عبر النافذة. و كانت السماء لا تزال مظلمة....
...وضع كليف الأوراق جانبًا، وخرج من غرفته، متجولًا في الممر الهادئ. ثم غادر القصر متجهًا إلى الحديقة....
...لكن ما إن وصل حتى قطّب جبينه بسبب الضوضاء القادمة من هناك....
..."لماذا أنتِ هنا؟"...
...كاا إيرين و أورتي....
...عندما رأى أورتي، أطلق كليف تنهيدةً صغيرة دون أن يشعر، وشعر بحرارة تتصاعد من أعماق صدره....
..."تكلمي. إن كان لديكِ ضمير، ألا تعتقدين أنه لا ينبغي لكِ أن تأتي إلى هنا؟"...
..."إيرين."...
..."أخي؟"...
...كان إيرين، بملامح متعبة تمامًا مثل كليف، يدفع أورتي إلى الزاوية. لكن عندما التفت بنظراته نحو كليف، لوّت أورتي يدها وتحررت من قبضته....
...حاول إيرين بسرعة الإمساك بها مجددًا، لكنها تفادت يده بخفة....
..."تحدث فقط." ...
...قالت أورتي ذلك بصوت هادئ....
..."أنتِ......"...
...ارتجف صوت إيرين....
..."بأي حق أنتِ هنا؟ أقسمي بأنكِ لن تعودي إلى هذا المكان مجددًا!"...
...مع اقتراب ذكرى وفاة القديسة، لم يكن إيرين ينام جيدًا أيضًا. كان هذا يجعله أكثر حساسية، فلم يكن ينوي السماح لأورتي بالمغادرة بهذه السهولة....
..."قوليها حالًا!"...
...حولت أورتي نظراتها نحو كليف....
..."هل تعتقد الشيء نفسه يا سيد ويكيند؟"...
...نظر كليف إلى أورتي. ثم راوده ذلك التفكير.........
...بأنها قد تغيّرت....
...بدأ هذا الشعور قبل بضعة أشهر فقط. فقبل ذلك الحين، كانت أورتي تحدّق بهم بعينين متلألئتين، متعطشةً للحنان....
...كانت تحاول استرضاءهم، و تراقب ردود أفعالهم، وتتوق لاهتمامهم. كان ذلك واضحًا جدًا لدرجة أن كليف لم يكن يكترث لها على الإطلاق....
...لكن بعد ميلاد الدوق ويكيند، تغيرت أورتي....
...لم تعد تحاول استرضاءهم، ولا تراقب تصرفاتهم، ولا تتوق لاهتمامهم....
...والآن، خرجت إلى الحديقة، في يوم ذكرى وفاة القديسة تحديدًا، رغم أنها لم تكن تجرؤ على الاقتراب منها من قبل....
...شعر كليف بالارتباك. ...
...منذ أن استمع إلى حديث إيرين بعد عودتهم من طقوس التطهير قبل أيام، ازداد اضطرابه....
..."كان عليكَ أن تراها بنفسك، أخي. كان هناك شيء......شيء غريب حقًا بها!"...
..."لماذا خرجتِ؟"...
...لم يجيب كليف على سؤال أورتي بل سألها بدوره....
...نظر كل من أورتي وإيرين إلى كليف بدهشة....
...فتحت أورتي عينيها قليلاً بدهشة ثم أجابت....
..."فقط، أردتُ الخروج."...
...بينما كان كليف ينظر إلى وجه أورتي الجامد، عض على أسنانه بشدة....
..."ألا تشعرين بالذنب؟ فتلك هي المشاعر التي يجب أن يشعر بها الإنسان على الأقل."...
..."الذنب."...
...همست أورتي بتلك الكلمة بصمت....
...منذ زمن بعيد، ربما كانت تحمل مثل هذه المشاعر. لكن مع مرور الوقت، بدأ شعورها بالكراهية تجاه القديسة ينمو....
...لأنها ماتت، وبالتالي كرهها الجميع....
...لم تكن أورتي قد سمعت من قبل بشكل دقيق كيف وُلِدت أو كيف ماتت القديسة. كانت تعلم فقط أن تلك القديسة اختارت طفلًا آخر بدلًا منها وتوفيت أثناء ولادتها....
...قد يعتقد البعض أن هذه الطريقة في التفكير غريبة. لكن أورتي كانت مكروهة من الجميع بسبب والدتها البيولوجية التي لم تلتقِ بها قط منذ ولادتها....
...'هل كان بإمكاني أن أكره القديسة أقل إذا كنتُ حقيقة؟'...
...وحتى بعد كل ذلك، كانت أورتي زائفة....
...تبدلت مع الحقيقية لأسباب غير معروفة، ورغم أن ذلك لم يكن خطأها، إلا أنها عانت بسببه....
...ومن المفارقات، أن الحقيقية، بمجرد ظهورها، تلقت حب الجميع. ...
...لم تصدم أورتيه عندما أدركت أنها زائفة، بل اجتاحتها مشاعرٌ كبيرة من الظلم....
...كانت تلك المشاعر قد أصبحت باهتةً ومهشمة منذ وقت طويل....
...و بدلاً من الرد على كلمات كليف، أومأت أورتي برأسها ببطء....
..."سأفعل كما قال السيد ويكيند."...
...كانت شعرها منسدلاً، لذا كان وجهها مغطى جزئيًا. وعلى الرغم من أنها كانت غير واضحة، إلا أن ملامح وجهها الخالية من التعبير كانت واضحةً تمامًا....
..."لن أعود إلى هنا مجددًا. إذا خالفتُ هذا، سأدفع حياتي ثمنًا لذلك."...
...تغير وجه إيرين وكليف إلى الأبيض في نفس الوقت إثر تلك الكلمات....
...و نظرًا لذلك، كادت أورتي تضحك بشكل غير إرادي وهي تشاهد تعابير وجوههما....
...ثم أدارت أورتي جسدها، تاركةً إياهما وراءها، وغادرت الحديقة. ...
...كان الفجر قد بدأ يلوح....
...و سارت أورتيه بينما كانت تدير ظهرها للشمس المشرقة، مُطِلّةً على ظلها وهي تمشي....
..._______________________...
...منطقي الصدق انها تكرهها وتحس بالظلم بس شلون تبدلت صدق؟ فيه اشياء كثيره غلط ...
...أجل شكلها بنت القديسة الصدقية...
...القديسة كانت حنينة مع كليف و إيرين والدوق وآخرتها ذي جزاة بنتها يا قليلين الخاتمة؟...
...Dana...
Comments