الشئ في الصندوق...
مطت شفتيها في عدم فهم، كانت تتوقع علي كل حال ان تقرأ تعاويذ وكلمات سريانية غامضة، او تري رسوماً غير مفهومة لكن هذا شعر، مجرد شعر سخيف، ليس فيه حب
ولا غرام ولا سهاد... كلمة.. "عجولاً" في نهاية القصيدة تبدو نابية الأذان، بالتأكيد ليست عجول الجزار، ولكنها تدل علي التعجل.. توعدت اخاها المدخن بالويل،
ثم اتجهت الي الهاتف لتثرثر مع صاحبتها..
لاحظ فارس بعد ساعتين ان جريمتة لم تٔذكر، لم تقل هي شيئاً ولم يعرف أبوه القاسي بشئ، انه في غرفته يلهو ويتظاهر بالاستذكار كالعادة، لكن لا شيء غير هذا..
الصبية ينتظرونه كما وعدهم. ان شرين اللعينة غافية الان بعد ما شبعت نميمة وتهريجاً علي الهاتف،
لن يلاحظ أحد انه خرج. بعد لحظات اتخذ قراره،
اتجه الي بابا الشقة بحذر وفتحه وفرّ الي الخارج..
هناك في الشارع عنصره الطبيعي، هناك يصير حراً
يصير ملكاً، يصير قائد الشلة الذي يبهر الانفاس..
هناك كان الصبية يقفون في تحدٍ بانتظاره، وكان اكثرهم تحدياً هو خالد... وقال له في سخرية..
هل علقك ابوك من السقف؟
لم يرد.. سرعان ما اجتاز الفرجة بين الجدارين وراح يركض عبر الخرابة.. وكان الليل قد بدأ يزحف فلم يعد هناك سوي لون ازرق بكل درجاته، وهناك كانت المساحة الواسعة ممتدة حيث قضبان القطارات تتلوي وتتعاقد في الافق
قطار الثامنة سوف يمر بعد قليل..
بلع الصبية ريقهم وهم يرتجفون من هول المشهد القادم
هو نفسه كان خائفاً لكنه كان بحاجة الي ان يعرفو من هو،
بعد هذا لن يفتح اي أحمق فيهم فمه...
جري بحذر الي ان بلغ المسافة بين القضيبين،
ورقد علي وجهه وغطي رأسه بكفيه..
فلتمر اللحظات التالية بسرعة...
أين فارس؟
كانت الساعة الان الحادية عشر ليلاً، وقد اوشك الاب علي غلق اقفال البيت.. ثم تنبه الجميع الي ان الصبي فارس ليس هنا، وهذا شئ معتاد.. لكنه لا يطيل التأخر الي هذا الحد لأنه عوقب كثيراً من قبل علي تاخره خارج البيت..
الحقيقة انه شبية بقط حبيس لا يقر في البيت أبداً...
فارس.. فارس.. اين انت ايها الوغد؟.
هكذا بدات عملية البحث.. وتم سؤال الجيران،
ثم ارتدي الاب ثيابه من جديد وخرج يبحث عن الصبي وهو يطلق السباب..
من الخير للفتي ان يكون قد مات فعلاً.. هذا هو المبرر الوحيد الذي يسمح بالغفران له.. فيما بعد هذا ليس من مصلحته ان يظل حياً سوف يموت فوراً..!
جو التوتر العام ساد البيت وبدات الام تقرأ القرآن وتهرع من حين لاخر الي الشرفة...
شرين شعرت بتأنيب ضمير.. ربما هو خائف جداً من موضوع السيجارة.. ربما خائف لدرجة انه فر من البيت
هي كانت قد ازعمت ان تكتفي بإرهابه لكن من اين له ان يعرف نيتها؟ يجب ان نقول كذلك ان الجو كان ملوثاً بالموت... حادثة الموت التي وقعت صباحاً جعلت الجميع متوترين.. هكذا دخلت غرفتها وحاولت ان تفكر في شيء اخر، لكن صورة فارس كانت تبلبل ذهنها..
مدت يدها للصندوق لتعيد تفحص تلك اللفافة اللعينة..
وبشفتين تتحركان قرأت الأبيات..
ولما تواري شعاش الاصيل..
وعدنا من الغاب نبغي الرحيل....
لقد حان حينك يا ابن الدياجي...
الا تسمع الموتي ياتي عجولاً؟
خرجت لتلهو قرب الردي...
فجاء الردي غاضباً مستحيلا...
هنا توقفت وراجعت اخر أبيات..
هناك جزء لم تقرأه من قبل.. هي متاكدة ان اخر بيت في القصيدة اللعينة كان البيت "
لقد حان حينك يا ابن الدياجي..
الا تسمع الموتي ياتي عجولاً؟
فماذا حدث بالضبط ومتي؟... هناك بيت قد اضيف لا شك في هذا.. نفس الخط ونفس الحبر...
كانت شرين قوية الشخصية تثق في حواسها جيداً..
اي شخص سواها كان سيعتقد ان البيت الاخير قد فاته،
لكنها كانت متيقنة القصيدة اللعينة قد استطالت بيتاً..
البيت يتكلم عن شخص أراد اللهو قرب الردي فمات..
كان الردي اكثر براعة..
في الصباح وجدوا البقايا وعرفوا القصة كاملة..
الصبية الذين كانوا مع فارس رأوا المشهد ففروا لبيوتهم واصابهم ذعر حيواني يمكن فهمه، وقرروا ان يلوذوا بالصمت.. لكنهم تكلموا في النهاية...
فارس نام علي قضيب القطار بين القضيبين اذا شئت الدقة ودفن رأسه بين ذراعيه بينما قطار الثامنة قادم،
وكان ينوي ان يبهر الصبية بشجاعته.. هولاء المراهقون يمكن ان يفعلوا اي شيء كي يبهروا اترابهم.. ما حدث هو ان شئيا يتدلي من القطار تمسك به تعلق بسرواله..
وهكذا فوجئ الصبية بان زعيمهم قد اختفي..
لم تمر العجلات من حوله في سلام، ويبدو ان جسده تفتت في ثانية واحدة..
كانت ميتة شنيعة، وسوف اعفيك من وصف ما فعلته الاسرة والام رحمة بأعصابك.. لقد حلت حقبة من اللون الاسود والكآبة علي هذا البيت الذي كان امناً...
ظلت شرين تشعر بعدم راحة نحو ذلك الصندوق اللعين،
وتلك الأبيات الغريبة التي قرأتها والتي ازدادت بيتاً.
بلا تفسير واضح ذات ليلة جلست في فراشها ومدت يدها تفتح ذلك الصندوق من جديد تحسست أبيات القصيدة وقرأتها مرة واثنتين..
وقررت ان تعرض هذه الأبيات علي مدرس اللغة العربية
الشاب جارهم، لعلم الكلمات تخفي أكثر مما تفهمه هي..
ثم غلبها النعاس والعلبة في يدها..
هي الان نائمة علي ظهرها.. وصدرها يعلو ويهبط كانها تعاني عسراً في التنفس.. العرق. العرق يجعل شعرها عجينة واحدة لزجة.. كهف مظلم...مشاعل.. هناك من ينتظر في الكهف.. عينان شريرتان.. رائحة عطن غريبة.. هذه رحلة لم يقم بها بشري.. الي عالم لم يره أحد. أعماق الظلمات.
المادة الخام للشر.. تشعر بهذا كله وتدرك انها مذعورة،
لكنها كذلك عاجزة عن النهوض..
عاجزة عن الفرار.. وسمعت صوتاً يامرها..
تخلصي من القصيدة!.. تخلصي من القصيدة ان شئت السلامة.. كانت تسمع الصوت بوضوح.. تعرف ان هذا اوباري.. لا شك في هذا برغم انها لا تعرف من هو.. اوباري..
ولم تسمع عنه من قبل كانت ترتجف خوفاً.. عرفت انها اخترقت وانها تري ما لا يحق لها ان تراه..
كان البيت كله غافياً عندما اتجهت شرين الي المطبخ.. صوت أذان الفجر يتردد من مسجد قريب.. وضعت الصندوق علي الموقد، ثم اشعلت عود ثقاب..
سوف يحترق هذا الشيء القذر.. سواء كان خطراً حقيقياً
او وهماً.. انها تشعر بانه ملوث بالدم.. لماذا ظهر بعد الحادث الاخيرة؟ ولماذا التقطه المرحوم فارس بالذات؟؟
بدأت النار تتمسك بالصندوق وتنهدت هي الصعداء
ولكنها بعد لحظة بدأت ترتجف... ان النار تلتف حوله لكنها
لا تؤذيه.. هذا الشيء اقوي من النار...
جربت ان تحرقه عدة مرات وبللته بالكيروسين وجربت من جديد لا جدوي.. هذا الصندوق اللعين أقوي من ان يزول
بسهولة... فكرت في ان تلقيه في القمامة، لكن الاجابة كانت قد وصلتها وشعرت بها في اعماقها بلا جدال.. هذا ما يريده ذلك المسخ الذي رأته في الحلم بالضبط.. هناك احمق سيجد الصندوق في القمامة ويفتحه، وسوف ينتقل الصندوق ليد اخري ويموت شخص آخر.. سوف تزداد القصيدة طولاً....
لو احتفظت بالصندوق فهي تجازف بميت آخر او جريمة قتل اخري...
ربما يقتل ابوها امها او العكس.. او تفعل هي هذا كله...
حاملة هذه الهواجس عادت لغرفة نومها التي تسلل لها ضياء الفجر الخافت الواهن..
جلست علي الفراش كأنها بوذا يتأمل...
وقررت ان تنتظر حتي يصحو الجميع...
يتبع
Comments