الفصل الثاني

الشئ في الصندوق...

" انا قد أكون وغداً منحلاً.. ولكني لست قاتلاً.

هذا أقوي مني "

قال نادر بلسان أكثر اعوجاجاً..

"يجب ان تنسي هذه الجريمة. تنساها وتنسي انك نسيتها لم يبق منها سوي غرفة محترقة ورماد"

"ربما احترقت لكنها ستظل حية في ذاكرتي.. سوف يطاردني المشهد ما حييت"

ثم نهض مترنحاً نحو الباب وهو يستند الي الجدار...

"الي اين العزم؟"

قال علي..

لا أستطيع قضاء الليلة هنا لا أستطيع ان أراك امامي .

سوف ابحث عن مكان اخر "

"ليس من الحكمة ان تخرج وانت ثمل.. من الوارد ان ينزلق لسانك" قال علي وهو يعالج المزلاج بيد راجفة..

" هذا ما انويه فعلاً.. سوف ينزلق لساني "

" هل تمزح؟ " ربما كان في هذا خلاصي..

وواصل معالجة المزلاج.. الخمر لها ارادة خاصة بها..

تدهشك دوماً بما تفعله وانت لا تعرف انها فعلته.

لا يعرف نادر كيف طارت الزجاجة من يده لتضرب اخاه من مؤخرة رأسه...

عندما سقط علي علي الارض تذكر نادر الالعاب الغليظة

الخشنة التي كان يمارسها في طفولته مع اخيه. كان يمزح

هذه العاب أطفال خشنة نوعاً لكنها ألعاب..

هو لم يقتله.. بالتأكيد لم يفعل.. فقط أراد منعه من التمادي. علي يرقد الان خلف الباب والدم ينزف من مؤخرة رأسه

والزجاج المهشم تناثر علي الارض..

انه نائم.. بالتاكيد هو نائم لا توقظوه..

ضحك نادر كثيراً وهو يراقب أخاه النائم

عاد للمقعد وأشعل لفافة أخري.. الدخان يرسم اسم نادر

واسم علي في فراغ الغرفة...

صندوق لعين قذر.. لقد جعل الأخوين يتشاجران..

صب لنفسه كاساً آخر..

مد يده الي الصندوق وراح يعبث بانامله..

لقد عبثت بهما العمة اللعينة لم تترك شيئاً لكنها تركت لهما دعابة قاسية فعلاً...

اخرج الورقة المقيتة التي كتبت فيها الأبيات..

ولما تواري اشعاع الاصيل...

وعدنا من الغاب نبغي الرحيل ...

دعت لي بسلوي وصبى جميل...

اذا ما الوصال غدا مستحيل...

وتسمع في الليل همس القبور...

وأنفاس من غاب عوداً نحيلا...

وقابيل يلقي أخاه الحبيب...

فتجري الدماء ويهوي قتيلا...

. حك راسه مرتين.. وأغمض عينيه وراح يحاول ان يجعل بصره اقوي.. وربما بصيرته...

هذه الأبيات اللعينة. كانا بيتين فقط.. وهو متأكد من هذا.

لا شك في هذا..

هذه القصيدة تستطيل! انها تزداد بيتاً كلما هلك انسان آخر!

هناك في تلك الكهوف المظلمة في صحراء تسيلي، يمكنك ان تري ان الليل قد دنا، ومعه بدات الشمس الحارقة

تبدي شيئا من الرحمة..

الذئاب تعوي فيرتجف رجال " التبو " الجالسون حول النيران ليلاً، ويتبادلون النظرات من وراء الثمتهم..

بينما تطلق الجمال والابل رغاءها وحنينها بالترتيب...

هناك في تلك الكهوف المظلمة

وخلف منطقة الرمال المتحركة، حيث لا يجسر أحد علي الدنو،

يمكنك ان تري ذلك الكهف الذي احتشدت الصخور

علي مدخله.. هل صخور حقاً؟...

بل هي جماجم بيضاء نظفتها العواصف والرمال الناعمة.. هناك عاصفة دانية بلا شك في الغد..

دخل الكهف يمكنك بصعوبة بالغة ان تري ذلك المشعل الواهن، وجواره يجلس كيان فارع مفزع يخيل لك انه هيكل عظمي، يمسك بريشة هائلة الحجم ويضع امامة لفافة.. عينان واهنتان تراقبان الورق وسط الضوء الخافت..

انه " أوباري " الشاعر الملعون الشاعر الذي نشرت اشعاره الطاعون وسببت المذابح، وأدت الي انتحار عشاق

وموت اطفال وهم يصرخون..

هناك في هذا الكهف ينتظر "أوباري " عدة عقود

أجل قصيدة، قصيدة مكتملة الأبيات..

غير ان قصائده كانت ذات خاصية وغريبة، وهي انها تكتب نفسها بنفسها، يبدأ او بيت فقط، وافعال البشر هي التي تكملها.. " أوباري " ينتظر منذ قرون...

هناك قصائد بكل للغات تتناثر من حوله. قصائد باللاتينية،

بالارامية، بالسويدية، بالعربية، بالمسمارية، بالأترورية،

قصائد اكتملت جميعاً وعادت له، وعندما يحرق اللفافة فانها تصل الي سيده الدائم، سيده الذي لا يجرؤ علي ذكر اسمه

علي اللفافة التي امامة بدأ يقرأ الحروف التالية تكتب بالدم

ولما تواري شعاع الاصيل ...

فتجري الدماء ويهوي قتيلا....

تحركت شفتاه فيما يشبه ابتسامة قاسية، سوف ينتظر...

الصندوق الصغير ظل علي الارض فترة طويلة..

يمكن ان الخص الموقف لك بأن رجال الاسعاف القوا بالجثة علي المحفة في اهمال، ومن الواضح انها كانت تقبض علي الصندوق الصغير الذي لم يلحظه أحد، قبل دخول السيارة سقط الصندوق علي الارض وركلته الاقدام جوار جدار..

وضعوا في السيارة جثة نادر اولاً ثم جثة علي..

علي قد هشمت زجاجة راسه من الخلف،

أما عن نادر فقد فتح النافذة ووثب الي الشارع ليتهشم جسده علي الإفريز، برغم هذا يبدو انه ظل ممسكاً بالصندوق فلم يتخل عنه الا لحظة دخول السيارة كما قلنا.

انطلقت السيارة وعواؤها الكئيب يمزق الاعصاب قبل ان يمزق الصمت.. ولحق بها عدد من الصبية يتصايحون مرحاً

يمكنك ان تري الصبي فارس و الصبي خالد.. انهما يسكنان بالمنطقه، وهما شيطانان صغيران، لهما بالضبط نفس ملامح ونفسية قراصنة الكاريبي. عندما اسرعت الإسعاف مبتعدة

أدركا ان اللحاق بها مستحيل، برغم انهما كانا يشتهيان رؤية

الميت، تعثر فارس علي الارض فسقط جوار الصندوق الصغير التقطة ودسه في جيبة ليفهم فيما بعد...

هناك يقف الصبية في ركن الشارع يتبادلون التحدي والسباب.. فارس يدخن لفافة تبغ اذ تاكد من ان احداً من الكبار لا يراه، وهذا يعطيه سطوة لا شك فيها علي باقي الصبية الذين لا يجسرون علي تخيل مغامرة كهذه..

يقول لهم فارس..

وعهد الله.. وعهد الله..

لسبب ما لابد ان يقسم هولاء الصبية بعهد الله..

لا يستعملون طريقة قسم اخري..

وعهد الله انا فعلت هذا.. قال خالد في تحدي.. انت كاذب..

وانت ابن ".... "

وانقض الصبيان بعضهما علي بعض يتبادلان الركلات واللكمات.. حاول فارس ان يفعل هذا كله ولفافة التبغ

في فمه، لكن الامر كان صعباً.. وقبل ان يفهم ما يحدث وجد اذنه في يد صارمة ترفعه عن الارض.. وعندما نظر بحذر رأي ان هذه شرين اخته.. اخته في العشرين من عمرها، وليس لديها عمل في الحياة سوي ان تجعل ايامه قاسية.. سجائر وشجار! انتظر حتي اخبر اباك بذلك...

تراجع الصبية في ذعر، بينما الاخت الغاضبة كاَلهة الاوليمب

تجر الصبي من اذنه نحو ساحة الاعدام، وهي لا تكلف عن الشتائم وتوجيه الصفعات له.. كان يعرف ان امره انتهي..

التدخين جريمة لا تغفر في بيته..

برغم هذا كان يكره ان يراه الصبية في وضع مخزي،

لذا صاح امراً بينما هو يبتعد...

الليلة سوف اريكم ان كنت كاذباً..

في البيت لم يكن الاب القاسي الغضوب موجوداً، فتوعدته شرين بان عقابة قريب فعلاً.. لاحظت الصندوق الصغير الذي في يده فسألته عن كنهه.. قال انه وجده في الشارع ولا يعرف ما به.. مدت يدها في حذر وفتحت الصندوق

ذات مرة القي احدهم عملاً سحرياً علي بابهم،

وكان بداخله قطعة قطن والتفت علي اشياء عضوية مرعبة

مع لفافة ورقية كهذه شعرت بقشعريرة وخطر لها ان تتخلص من الصندوق، ثم مدت يدها تفتح اللفافة

وقد غلبها الفضول..

ولما تواري شعاع الاصيل...

وعدنا من الغاب نبغي الرحيل....

وقابيل يلقي أخاه الحبيب...

فتجري الدماء ويهوي قتيلا....

لقد حان حينك يا ابن الدياجي...

الا تسمع الموتي ياتي عجولاً؟

يتبع....

تنزيل على الفور

novel.download.tips
تنزيل على الفور

novel.bonus

novel.bonus.content

novel.bonus.receive
NovelToon
فتح الباب إلى عالم آخر
لمزيد من التشغيل واللعب ، يرجى تنزيل تطبيق MangaToon