كان يدور حولَ نفسه في غضبٍ شديد.. وكأنّه أراد أن يسحقَ الأرض من سخطه.، وكان شكله شديد القبح!، يرتدي ملابساً سوداء، ألربما ليعزّي نفسه بضميره الذي مات؟
حاجباه كانا شديدي السّواد.. بينما عيناه كانتا بلون الرّماد، ضخم الجثّة!، ويبرق في عينه وميض أحمر مرعب.. يحكي حجم غضبه في مشهدٍ مرعب، لربما كان عنوانه«الشرّ المطلق»!!!!
ضرب الأرض بعصاه الذي لا تبرحه، فأجفل الحاضرون، قال بصوته الأجشّ القاسي
ـ"الآن وفي هذه اللحظة! فليخرج الخائن..، والّا سأنتزع أرواحكم بيدي "
لم يجرؤ أحد على النطق بحرف، فخوفهم الشديد من بطشه كان يسري في أوردتهم..
صرخ هذه المرّة بغضب حارق
ـ" لماذا لاتتلفظون بشيئ الآن ها؟، كل ما تنجحون فيه هو الفشل في ضبط هؤلاء الحثالة، يالكم من حمقى سافلين"
غادرت الطيور التي كانت تقبع بقرب النافذة،وهي ترفرف بخوف، يبدو أنها فزعت من هذا الوحش االلعين.
قال أحد الموجودين ـ" لا أحد منا يا سيدي قال أي شيئ!، يبدو أنّه سوء تفاهم و..ـ "
قاطعه سيده ببطش وغضب ـ"سوء تفاهم!!، أهذا ما استنتجته مما حدث؟، ومتى كان سوء التفاهم يؤثر على الشيطان ألبيرتو أيها المعتوه، مثلك كمثل أي حيوان لا يفكر، اللعنة عليكم!! "
صمت الرجل بسخط شديد، فسيده لا يتوقف عن إهانته، شرًُّ مطلق، لم يكذب سيده عندما لقّب نفسه بالشيطان، وهذا أنسب القابه، والدليل الأكبر، هم شياطينه الذين يعتبرهم أداة لمعرفة كلّ أمر، فكيف لا يكون منهم وهو يقابلهم..؟!
هدر صوت الرعد بقوّة، ولكن ما من مطر قد نزل.. لأنّ المطر خير..، وعلى هذه الأرض،لا خير!!
عاد ألبرتو لصمته بعد فترة من الشتائم، بعدما هدأ البركان الثائر، وأصبح قابلاً للنقاش،
ـ" هناك فرد من خارج حدود هذه الأرض علم بلعنتنا، وهناك خائن، قالت لي قبيلة من الجنّ، أنهم في بيت ذلك الملعون «مايكل» ، لا بد من أن زوجته علمت بالأمر، أو حتى تلك الشيطانة التي لا تكف عن التصرّف بغباء، مايكل مرهون بلعنتنا، وسيبقى أسيراً لي، فأنا ملِك عليكم جميعاً، ولكن هنالك قوة ما، تمنعنا من أن نكتشفهم، هنالك يد خفية تحيك مصيبة أخرى، وأخشى أن تلك اليد هو من أفكّر به، أقسم بقوتي وجبروتي أنني سأهلكهم وأبيدهم ، فمن حتّى يفكّر في مواجهتي ، هو الخاسر الوحيد
قال بتكبّر وبطش شديدين...
نظر الجميع إلى بعضهم في وهن شديد ، على الرغم من أنّهم أقوياء ،إلّا أّنه يأخذ قوّتهم قبل أن يلتقوا به ، كي لا يتمرّد أحد عليه ، ولا يتطاول ..ومن يجرؤ حتّى على ذلك.؟؟؟؟؟
قال نيكولاس وهو ذراع البرتو اليمنى
- "مايكل قد أخذ حصته ، ولكنّي متأكّد أنه لا علاقة له بالأمر حتى، فلم يتجرّأ مسبقاً على أمر كهذا ، ماذا لو كان ..- "
-" سأقتله ، وأقتل كلّ من يتطاول عليّ فزمن الضعف انتهى ،وها نحن ذا الآن أقوى وأقوى "
ردَّد الجميع بصوت واحد
ـ"نحن الأقوى!! "
كان أحدهم يستمع لهم في الخفاء، هزَّ رأسه مرّتين،واختفي في الحال..
•~~•••~~•
بعد ذلك المشهد المفجع حملنا والدي إلى الداخل، وبدأت أمّي تداويه، كنّا في حالة عدم استيعاب وصدمة هائلة!!
جلسنا أنا وأمي بجانب أبي الراقد على سريره، بينما كانت أمي تحاول أن تزيل الحمّى بشتّى الطرق، وهي تمسح دموعها التي تأبى التوقّف، كنت أنا في حالة من الوجوم الشديد، من هؤلاء السفلة الذين قاموا بهذا الفعل الشنيع ، قوة أبي لا يستهان بها، ولم يتمكّن أحدهم يوماً من فعل هذا،مسكينة أمي!!، كانت تشعر بأنّ هنالك شيئاً ليس على ما يرام،لابدَّ من أنّهم مجرمون سافلون، تأوّه أبي عندما لمست أمّي كدمة في وجهه بالخطأ، فشهقت وازداد بكاؤها، كانت تمسح على شعره بحنوٍ، بينما تزيل الكمّادة من حين إلى آخر وتعيد تبريدها، كانت تحاول أن تخفض حرارته بشتّى الطرق، خافض حرارة، كمادات،والأدوية التي تُستَخدم لإزالة الحمّى،استخدمتها أيضاً..
بدأ أبي يهمس بشيئ وكأنّه يهلوس ـ"اتركونِ وشأني،لم أقل شيئاً..آآآآآه، اللعنة "
وعاد يتأوّه بألم، بدأت أبكي بضعف، يبدو أنّ أبي قد ذاق عذاباً مُرّاً في هذه الساعات الخمس، كانت أمي مازالت تبكي بحسرة
ـ"يا أمي سيصبح أبي بحالة جيدة، فهو قادر على أن يستعيد عافيته، وربما هو واع الآن، ولن يُسرَّ بسماع أصوات بكائنا وشهقاتنا،بينا كان يأمل بمن يدعمه ويقوّيه،ويعينه للنهوض أقوى مجدداً!!! " واسيتها وكنت أريد من يواسيني،هدأ صوت بكائها وصمَتَت، قضينا الليل بطوله بجانبه، حتّى بعدما انخفضت حرارته، وتوقف عن تأوهاته، كانت والدتي قد وضعت له مرهماً قد اشتريته من الصيدلية المجاورة،طلبت منّي أمّي أن أذهب إلى النوم، فالساعة قاربت حوالي الرابعة فجراً، وذهبت بعد جدال طويل، نامت أمي بجوار أبي في السرير، أو هذا ما أوهمتني به،ففوراً بعدما خرجت من الباب عادت هي لتجلس بجانبه، وتمسح على جبينه بحنان بالغ،تركتُ المساحة لها في فعل ما تريد، وذهبت لغرفتي لأنام،فما مررنا به ليس بقليل، احتاج للراحة حقّاً،لا أعلم كيف سأرتاح ووالدي ليس بخير،ولكن فعلنا ما بوسعنا،وما تبقى نتوكّل به على الله، تعجّبت من أمر ما!!
الكسندر لم يظهر كعادته في اللحظات التي احتاج بها من يواسيني، انتظرته ليأتي ولكنّه لم يفعل..
*******************
.
.
مرّت ثلاثة أيّام وكانت حالة والدي تتحسّن ببطءٍ شديد، بينما والدتي قد اتصلت بمكتبه لتخبرهم بأنّه لن يأتي في هذه الفترة لأنّه مريض،بالطبع لن تخبرهم بأنّ هناك من آذاه وعذّبه، وهم ينتظرون شيئاً صغيراً كي يشمتوا به، وهنا أتحدّث فقط عن الحسودين..
خلال هذه الأيام الثلاثة، لم يظهر الكسندر،فظننت أنّه قد اختفى، وأنّه لم يكن موجوداً من الأساس..
يمرّ الانسان بلحظات عصيبة تعصف به، وتهوي بآماله، وفقط من يملك يقيناً عالياً بالله، هو من يعود ويقف على قدميه..
.
إنّ الانسان في..ـ
ـ" اشتقت حقّاً لثرثرتك الذاتية التي لا تنتهي،وتفسيراتك الفلسفية!! "
شهقت بسعادة عندما سمعت صوته، والتفت إليه بفرحة
ـ" الكسندر!،لماذا غبت عنّي؟ أين كنت طوال تلك الفترة؟ هاا؟! "
-" يا إلهي! الرحمة! أين اختفت تلك الفتاة التي كانت ترتعب كلّما رأت هيأتيْ، وتقول إرحل أرجوك إرحل، من كان يدري أنّك ستفرحين برؤيتي؟! " قال بابتسامته الجميلة..
ـ "ليس من شأنك،ثمّ ليس وكأنَّ الأمر يسعدني،لا تذكّرني بهذا مجدداً، لأنه من الممكن أن أصرخ وأقول أنّك لصّ قد دخل ليسرقنا، تماماً كالمسلسلات، تصرخ البطلة وتستنجد بالجيران وتقول«حرااامي، يا نااس! » هكذا سأصرخ فكن حذراً! "
قلت هذا بتحذير
وضع قدماً على أخرى وقال بلا مبالاة
-" ومن ثمّ يأتون ليقتلوا هذا اللص السارق، فيتفاجأون بأنه غير موجود، بعضهم سيتعجّب، والآخر سيبررها بأنه الجنون حتماً، تماماً كما تكرهين... "
قلت بعد إدراكي لحجم حماقتي
ـ"أتعرف؟ سأنسحب، سأُحدث هكذا جلبة ضخمة، لا داعٍ لكلِّ هذا، استطيع طردك بأساليبي الخاصة، والآن لماذا لم أراك طيلة هذه الأيام الثلاث؟ أين كنت؟! " أنا هنا طبعاً كنت أحاول أن أغيًر مسار الحديث، كي لا أحرج نفسي أكثر...
ـ"نحن في خطر!! " قال بعد مدّة..
ـ" من نحن؟ "
ـ " أنا وأنت ووالداك "
قلت بتعجّب ـ" لما؟!! وما علاقة والداي بالأمر؟ "
ـ"والدك، في ورطة عظيمة!!،هو أسير لعالم آخر، مرهون بقواعدهم وشروطهم وأوامرهم، أي أنّ والدك أسير للعنة التحرّر منها شبه مستحيل، ولكنّهم كانوا كرماء معه لسبب نجهله، فهم أعطوه فرصاً ليطلب طلباً واحداً، وطبعاً هو اختار البقاء في هذا العالم، وكان ذلك فعلاً، ومنذ ثلاثة أيام عَلم ذلك الشيطان البرتو، بأن هنالك أفراد قد علمَت بأمر ما من داخل ذلك العالم السري..، فظنّوه والدك، أخذوه وعذّبوه، ولكنّه يشكّ بي الآن، ويتوعّد لنا، فهو يظنّك أنتِ ووالدتك مجرّد حمقى، وتعلمون ما لا يحقّ لكم أن تعرفونه،ولذلك لم آتي إلى هنا،كي لا يستطيع أحدهم أن يصل إليكم من خلالي..، كنت في مقرّنا طبعاً، أكثر الاماكن أماناً.. "
قلتُ والصدمة تقتلني ـ" لعنة؟ وأيّ لعنة قد تصيب والدي؟ومن البرتو هذا؟! "
ـ"كلُّ ما سألتِ عنه هو الشرّ المطلق!، وأي تفاصيل أخرى قد تشكّل خطراً عليكم!! "
رحل الكسندر بعدما أوصاني بعدم البوح بأمر لمخلوق كان.، وأنا لم أعارض، جلست على سريري، وفتحت الدّرج الذي يجاوره، أخرجت دفتر مذكراتي وفتحته، وقعت عيني هلى تلك الجملة التي حالما رأيتها تذكّرت بكائي وأنا أكتبها!،
« ككلِّ يومٍ أنا....أنهض إلى شرفتة غرفتي أحدّق بأبي الذي يركب تلك السيارة أحدق به نائم على سريره، وككلّ مرّة أنا أبكي طويلاً.. »
الآن بان كلُّ شيئٍ على حقيقته، أو بان جزء من الحقيقة،والمتبقّي منها أنا من سيكتشفها،إنّ الأمر يتعلّق بأغلى النّاس على قلبي، فلا بدّ من التضحية!
لا أعلم إن كنت استطيع فعل هذا، وما هذا الشيئ الذي ظلَّ الكسندر يكرّره عليّ، ويطلب مني أن أصبر حتى ألقاه..
ولكن هذا ال' البرتو ' ما الذي يمنعه من أن يؤذينا أنا ووالدتي؟، وفي هذه الأيام الثلاثة، كيف لم يفعل بنا شيئ
يا إلهي!!
إنّه لكمٌّ هائل من الصدمات..
أعدت الدفتر خاصتي إلى مكانه..وتمددت على سريري بتعب شديد، بدأت جفوني تنغلق ببطءٍ، لأغفو بعدها...وأنتقل إلى عالم الأحلام!!
. * * *
مرّت الأيام على التوالي بسرعة، تحسّنت حالة والدي وعاد لمزاولة عمله، لم يرضىَ أن يقول الحقيقة، قال بأن هنالك من تعرّض به في طريق عودته و أنّهم كانوا كُثر وكان مرادهم أخذ الأموال، مع أنّني لم أصدق حرف مما قاله..لكنّني بقيت طيلة حديثه أتصنّع علامات الأسف على وجهي،كيف سأصدّق هذا وعزيزي الكسندر قال لي الحقيقة، أتعجّب من نفسي حقّاً، كيق لي أن أصدّق أشياء لا يمكن لعقلٍ أن يعقلها،كشياطين أبي مرهون بلعنتهم! كيف لي أن أصدّق رجل عجيب كالجنّ، وأكذّب والدي ومن ربّاني
ربما كانت الصدمات كبيرة أكبر من أن يستوعبها عقلي في سنّي هذه، أشياء لم أسمع عنها من قبل قطّ!! ، ولم تأتِ على بالي فكرٌ كهذه التي حصلت معي في هذه الفترة..
سيارات غريبة، رجل أغرب، أبي الغير طبيعي! ، شياطين وجنّ ... اللعنه على هذه الحداث!!، قريباً سأجنّ
جلست على السرير،، أمّي في المطبخ تعدّ الفطور، أبي في الأسفل ينتظر بينما يقرأ..، ويبدو أنني الوحيدة هنا التي تجلس هنا بلا فائدة، أنا فقط أفكّر!!، لا شيئ سوى التفكير!..
وبالنسبة لبيتنا الريفي الذي كان من المفترض أن ننتقل إليه، لم يحصل الأمر أبداً، عاد عمّي المسافر، وكان يريد أن يستأجر بيتاً يسكن به وعائلته..، ولكن والدي اقترح عليه أن يجلس في منزلنا لريثما يشاء، فهو لايمتلك منزلاً في بلدنا، لأنّه قد باع منزله وقتها ليحصل على نقود تمكّنه من السفر خارجاً، اشترى منزلاً في ذلك البلد، بعد أن عمل طويلاً، وحصل على مال وفير،ولا أعلم إن كان ذكري لهذا الأمر صحيح، ولكنّه قد سُجِن لثلاث سنوات..
لماذا؟... عمّي قد عمل في تجارة الممنوعات لفترة طويلة،ولم يكشف طيلة تلك الفترة، وذلك لدهائه، ولكن وذات يوم، وفجأة، استيقظ أولاده وزوجته صباحاً ليجدوا أن المنزل خالي منه، ظنّوا أنّها مهمّة ضروريّة، ولم يأخذوا في اعتبارهم فكرة أنه من الممكن أن يكون معتقلاً،انتظروه كثيراً، يوم،اثنان،ثلاثة، سنة!..مرّت السنوات الثلاث وهم فقدوا الأمل حقّاً،فلابدَّ من أنّه لن يعود، لم يخبروا الشرطة بالأمر لأنّهم يعرفون بأنّ عمل والدهم خطير جدّاً، وإنّ اخبار الشرطة قد يعرّضه للخطر، فماذل لو اكتشفوا مكانه وكان مقرّاً للعمل؟!
كان يوماً مطيراً على العموم، وكانت الشمس على وشك الغروب، والجميع في بيوتهم ليتّقوا شرَّ البرد، طُرِق الباب، وكانت طرقات خفيضة الصوت تكاد لا تسمع، سمع أولاد عمّي وزوجته صوت الطرقات الخفيض..فاستقام الابن الأكبر ' سامر ' ليفتح الباب، عندما نده ب «من الطارق؟؟»، لم يجد جواباً لسؤاله، وبقي سؤاله معلّقاً في الهواء، قرّر وأخيراً فتح الباب، فقابله جسد والده الشاحب، ببنيته التي هزلت كثيرا، كان متردّداً..هل أولاده سيستقبلونه بعد طول الغياب؟،كان سامر متصنّماً من شدّة الصدمة!، إنّه والده!! قد عاد!، لم يمت! حيٌّ يرزق!!، من شدّة صدمته لم ينطق بحرف..، ظنّها والده علامة رفض،فاستدار ناوياً الرحيل،فانتبه سامر لنفسه أخيراً،ونطق بخفوت
ـ"أبتي! "وأجهش بعدها في البكاء
وكأنَّ عمّي كان ينتظر فرصة لينهار، فما أن بدأ سامر بالبكاء، حتّى احتواه والده في حضنه، وبكيا سويّاً، وامتزجت دموعهما معاً، سمع الجميع أصوات بكاء قويّة، ففزعوا،هرول الجميع إلى عتبة الباب التي تبللت بماء المطر، وصدموا من هول المشهد الذي رأوه، والدهم! إنّه هنا!، ركض الأولاد الثلاثة لوالدهم واحتضنوه باكين، لم يتوقّع أحد ردّة فعل زوجة عمّي'ليلى'، حيث أنّها وقفت بجمود أمام زوجها وسحبت أولادها لخلف ظهرها ـ" لا والد لأطفالي،تركهم فجأة وغاب لسنوات،ووجوده الآن غير مرغوب به،فلترحل!!"
دفعته خارجاً وكان أولادهم مصدومين، فأمّهم لم تكفّ عن البكاء شوقاً لزوجها، هاقد أتى كنا تمنّت...فلماذا طردته؟!
لا أحد يعلم أين نام ليلتها، كانت ليلى حزينة بشدّة، فهو ذهب وتركهم وحدهم لفترة طويلة!وهذا يكفي، لم تكلّف نفسها بسماع مبرراته أبداً، استيقظت في اليوم التالي ووجدت بجانب رأسها رسالة،كانت مطويّة عدّة مرّات، عقدت حاجبيها باستغراب وفتحت الورقة لتقرأ كلماتها
[عزيزتي ليلى...
لا أعلم حقّاً كيف لي أن أصف خيبتي عندما أتيت إليكم لأكمل ما تتبقّى من عمري وسط عائلتي!،لينتهي الأمر بي مطرود! ..
ما فعلته كان شنيعاً، وغيبتي كانت قاسية عليّ وعليكم، فأنا لا أبرّرُ لكم غيبتي..، وها أنا أتفهّم كعادتي ردّة فعلك، إنّها لاتنمُّ سوى عن ألم الهجر وخيبة الروح،كلّ ما يدور في بالك الآن أنني استحضر عاطفتك لتصفحي عنّي، ولكنني كما تعلمين زوجك يا ليلى ليس من هذا النوع أبداً.
قبل أن تحكمي عليّ اسمعِ قصّتي، وحاكمينِ بعدها، يا وجع قلبي!!
في ذلك اليوم المشؤوم ، استيقظت على صوت جلبة في الخارج وكأنّه عراك!،استغربت!..، خرجت لأتحقّق من الأمر، ما كدتُ أخطو خطوة واحدة خارج عتبة المنزل،شعرت بيد تكمّم فمي،وتحمل رئحة مخدّرة!، لم استوعب الأمر، ولكن علمت أنّه يجب عليّ أن أمنع دخول أي شخص إلى المنزل،فأغلقت الباب، مازلت لا أدري من خطفني وسلّمني إلى الشرطة بيديه..
ولكن هذا ما حصل..، سجنت يا ليلى،لم أغب لأستجمّ! كنت بين تلك القضبان القاسية..
لم أحبّذ أن يعلم أحد بالأمر، ولم يكن الأمر أصلا بيدي، تُرِك مصيري مفتوح لكم..، تماماً كما يترك الرّوائي نهاية روايته مفتوحة، ولكنني كنت على يقين بأن ما تُرِك حتماً لم يكن النهاية.،تركوكم تبكون على ميّت كما ظننتم، أو على حيّ ميّت كما يقال ، تعذبت كثيراً يا ليلى.، رأيت الموت وعشته.، تمنيت رؤيتكم حد الثمالة يا ليلى.. ولكنني كنت في عالم، وانتم في آخر..
لن أذكر لكم تفاصيلاً أكثر لأنّها ستؤلم كلينا، والآن بعد أن رويت لك قصّتي.. حاكمينِ، واصدرِ حكم القضاء..يا كلّ قضاياي..]
أظنه من السخيف أن أروي لكم ما حصل بعدها، فمن البديهيّ أن يدخل عمّي بعد هذه الرسالة المؤثّرة، وتبدأ هي بالبكاء حزناً تروي له كلّ ما حدث معها في غيابه بالحرف الواحد وبالتفصيل الممل «وهذا بحكم أنها ثرثارة»، ولا ننسى حقّاً أن تسأله عن احتمالية مصادفة نساء في السجن «وهذا بحكم أنها غيورة»!!
هذه قصتهم وهذا ماروتهُ لنا زوجة عمّي بعد زيارتهم لنا..،ولا يمكنكم أن تتخيلوا حجم المشاعر التي كانت تفيض منها مع كلِّ حرف تنطقه..، لا يمكنكم أن تتخيلوا لأننا على علم بأنّ المشاعر لا تحكى بل تعاش..
ـ"آدييل،الفطور "
سمعت صوت أمي تندهني، توجهت إلى المائدة وبدأنا نأكل بشهيّة..،لم نتبادل الأحاديث إلّا قليلاً،كلّ منّا كان غارق في أفكاره، أن كنت أفكّر طبعاً في الكسندر..،هنالك أشخاص يدخلون حياتنا فجأة، يسببون لنا فوضى لطيفة، يزرعون بداخلنا أحاسيساً، لا توصف ولا تحكى...
إمّا أن يكونوا عابرين، أو يبقون وكأنهم ما خلقوا إلّا ليكملوا معنا ما تبقّى من عمرنا..
كم أحبّ هؤلاء الذين يدخلون فيزرعون الورد، ينثرون العطر، ويوزعون الغبطة بكلِّ عطاء..
وكم أبغض الذين يأتون ويسلبونك كلَّ شيئ، يدمّرون ما سعيت لبنائه!، يسعون وراء نجاحك، حتّى تفشل.....،الذين يحسبون العمر خالداً،والحياة أبديّة،يركضون وراء دنياهم وينسون آخرتهم، أولئك الذين يحسبون الناس لعباً،دمى وسلع يشترونها بمالهم..
، يرون الحياة مال، فيفسدون بمالِهم الحياة ومن فيها...
فمالَهم؟؟!!
Comments