مرّت الأيام بوقار وهدوء، ولم يخلُ الأمر من الكسندر، فمنذ أربعة أيام وهو لا ينفكُّ من زيارة بيتنا، أرى في عينيه نظرة خوف، وأكاد أموت من دقّات قلبي التي لا تبشر بالخير أبداً..
* * *
النجوم تلمع بشدّة، والقمر يتوسّط هذا الليل الكئيب، يصدح صوت عواء الذئاب بشكل مخيف، بينما تنطلق ضحكة من داخل ذلك القصر الأسود، ضحكة تحمل كلّ معاني الشرّ والخبث.. اللذان لا يليقان إلّا به..'ألبرتو'!!
في داخل ذلك القصر الشيطاني، نرى ملكه، يجلس على العرش الأسود، يتحدّث مع الشياطين، ويتناقش معهم بتركيز، بينما تصدر من عينيه تلك الأشعة الحمراء اللامعة..
ألا يلين هذا الشرّ المطلق؟!، ألا يحتوي ذرّة إيمان واحدة في داخله؟!..
لا، وألف لا، فكلّ خير فيه هو انتزعه بنفسه!
، فرؤية الشياطين والجنّ، واكتساب هذه القوّة، يحتاج إلى تضحية، فتضحيته كانت ما تبقّى من إيمانه، وما اكتسبه فكان كفراً وفساداً ليس إلّا..
ـ"سننتهي منهم قريباً، سنقتل أدريان والكسندر وأتباعهم...، لن اتركهم ينعمون مطلقاً، لا خير ينتصر على الشّر أبداً ...،انتهت صلاحيّة الخير! وكلُّ ما يعمّ في الأرض هو الشر، البقاء له،البقاء لمعتقداتنا فلا أحد سيوقفنا، أين ربُّ هؤلاء الذين يدّعون الإيمان؟،لا أصدق كم كنت في جحيم قبل هذه الحياة الأخرى،لا شكَّ في أنّه النعيم..، لا قوّة تعلو عليك، ولا عليك سلطان!!... "
أخطأ البرتو عندما ظنّ أنَّ لا قوّة تعلو عليه،ولا سلطاناً على قوته!..
الصبر البرتو..، فالحرب قادمة، والُلعبة لم تبدأ بعد!..
الوقت الفاصل يفنى، والمعركة على وشك البدء..،فلم يتبقّى إلّا القليل..
....
كان القصر الأسود يتوسّط هذه المدينة السوداء، بعلوه الشاهق، ولونه المظلم..
الناس في هذه المدينة أجساد بلا أرواح، موتى بالمجاز!!...
أعينهم فارغة من أيّ أمل،وقلوبهم المتفحّمة تأمل شيئاً واحداً وهو: الرحمة!
كلّ شيئ كان يؤخذ بالقوّة!!
أمّا الآن، كلّ شيئ هيّن،فلا حول ولا قوّة لهؤلاء الناس،حتّى يدافعوا عمّا يسلب مما تبقّى منهم...
معظم النباتات سوداء وألوانها قاتمة..بينما الأملاك كلّها ملك لشخص واحد..
{Alperto}
الشمس لاتظهر أبداً..، والوجوه جامدة، الحياة اسم لا معنى، سطر فارغ..، إلّا من كلمات الخبث السوداء
الجنود تنتشر في كلّ مكان، تقتل من يتجرّأ على التفكير بالهروب..،وهل سيعرفون الناس الهروب حقّاً؟!، هل تبقّى له منفذ بحقّ الله؟
باختصار..
الحياة في عالم البرتو تشبه الجحيم،ولكن بلا نار، النار تتأجج في صدور الناس،قلوبهم تفحّمت من فرط الوهج.،فتوقّفوا عن الاحتراق، فلقد تمَّ الأمر حقّاً، وها هم الآن اضحوا رماداً..
في اليوم التالي، كان البرتو في قصره،والخدم هنالك يعملون بأمر منه، الكلّ مشغول بعمل مختلف، ولكن مبتغاهم واحد..،الهروب من بطشه!... ولكن إلى أين؟! من بطشه..إلى بطشه..
كانت هنالك خادمة تجري إلى جناحه، بينما تحمل ذلك المشروب الأحمر الساخن الذي أمرها بإحضاره، كان الجناح فارغ، فالكلّ ممنوع من الولوج إليه إلّا بأمرٍ منه..
كانت تلك المسكينة متوجّهة نحو غرفته، وتمشي بخفّة وحذر كي لا تصدر أصواتاً تزعجه، طرقت ذلك الباب العملاق الأسود عدّة مرّات، فلم يصدر صوت يأذن بالدّخول، كانت ترتجف بخوف.. هل ترحل أم تبقى؟!، إذا رحلت سوف تعاقب لأنّها لم تلبِّ طلبه، وإذا استمرّت بالطرق ستزعجه..
وياويلها من خطأ واحد قد تفعله، فلا فرار ولا مناص من هذا الوحش الظّالم، والموت أهون..
بينما كانت تقف أمام ذلك الباب، فُتِح بقوّة شديدة، وظهر أمامها ذلك المسخ العملاق ينظر لها نظرة مميتة! فلهذه اللحظة هو ظنّها تتجسّس، ويا حسرتي عليها!
نظرَت إليه برعب غير معقول!، حجمه أكبر بأضعاف من كلّ مرّة، لماذا تراه مخيفاً لهذا الحدِّ المرهق، قلبها يكاد يقفز من بين أضلعها، تموت رعباً!!
كانت يدها ترتجف بخوف، هي لاتستطيع التوازن أكثر، فوقعت الصينية من يدها، وانسكب محتوى الكوب الساخن عل..ـ
على من ت...ـ، على من تخشى ذكر اسمه! هو بذاته!
فياويلها!، كانت كارثة ولكنّها أصبحت كوارث...
عندما ادركت حجم كارثتها، تزلزل كيانها..، اتسعت عيناها برعب.. فاغمي عليها في الحال!!!!!!
لم يشفق عليها ولو مقدار ذرّة،بينما كان صدره يعلو ويهبط بغضب!
فهذه الحشرة في نظره أفسدت زيّه، واللعنة عليها..
استيقظت تلك الخادمة بعد تلك المصيبة..وبعد تذكّرها ما حدث بدأت دموعها تنزل بخوف شديد.. كيف لم يفعل بها شيئ؟! كيف لا زالت حيّة!
حاولت النهوض فلم تستطع..لم تتألم! ولكنّا لاتشعر بأطرافها أصلاً،بعد إدراك....
عرفت الخادمة أنها قد شُلَّت..
إنّه البرتو بذاته، هو الفاعل !
~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~~ ~ ~ ~ ~~
كان البرتو طفلاً صغيراً، بهيّ المنظر، ولكنّ القدر شاء على أن يتبنّاه أخبث مخلوق على وجه الأرض!!
كان البرتو نقيّ القلب، فهو صغير،لم يعلم ما هو الشرّ بعد..
ولكن هل سيكمل الأمر؟!
هل سيبقى نقيّاً؟؟؟
كان هذا الرّجل الأخبث يدور كأفعى حول البرتو..، سيجرّه إلى عالمه الجميل كما يراه، سيجعل البرتو الولد الذي لم يلده يرث عنه هذه القوّة العظيمة..
رويداً رويداً كَبرَ البرتو قليلاً وقرر والده البدأ بما يريد..
هل تعقلون حجم كارثة وضع طفل في غرفة تملؤها الأفاعي وحده؟!،فبالرغم من أن الأفاعي غير سامّة..،ولكّنها كبيرة ومرعبة..
رؤيتها فقط تزرع الرعب في القلب لألف عام!
..أغمي على البرتو على الفور.. ولكنّ الوالد المحبّ جداً، لم يعجبه الأمر، فرشّه بماء أبرد من الثلج، فاستفاق!! وبدأ يعاني مع هذه الأفاعي المرعبة أكثر من الموت..وأخرجه والده اللعين من الغرفة بعد مئة عضّة
هل انتهينا ؟!
بالطبع لاااا !
ماذا عن أن يعلّقك أحدهم بحبل على ارتفاع لا يمكن إن وقعت منه أن تبقى قطعة واحدة؟
الحرق حتّى التشوّه؟
التعذيب الشديد!؟
وأمور..
لا يصحّ ذكرها..
نشأ البرتو في بيئة جبرته على القسوة..
ولكنّه غير معذور أبداً
لما لم تناجي ربّك البرتو؟
لم في كلّ مرّة تلعن الذي خلقك مع علمك أن هذا غير صحيح..؟!
لما بعدها نفيت وجود إله يساعدك وانت لم تناجيه حتّى!؟
لِمَ لمْ تتوقع أصلاً أن يحصل معك هذا من الشخص الأخبث؟
ركضت نحو الكفر ووجدته ملجأك؟
حاول الله أن يهديك..
ولكنّك لم تأبه،استهزأت، وكفرت ولعنت، لآلاف المرّات..
هذا جزاؤك، فلتحتمل إذاً...
أصبح البرتو بعد عمرٍ كما هو الآن شيطان بشريّ،تماماً كالذي تبنّاه..وقتله البرتو بيده..
لم يكتفِ بذلك، بل استدعى شياطيناً ليقوى أكثر!!..
أصبحوا ملجأ عند الحاجة بدلاً من ربّه..
قتل ناساً أبرياء كُثر كتدريب ممتع..
وفعل أشنع الفظائع....
ولكن...
هنالك الكثير عن ذاك العالم وماضيه!...
الكثير مما لم نعرفه بعد!!...
الصدمات تنتظرنا على مفرق الأحداث..وكما قلنا« اللُعبة لم تبدأ بعد!! »
* * *
هناك...
الناس ينتظرون الموعد..
ماذا ستغيّر هذه المُغامِرةُ الصغيرة؟!
مهلاً يبدو أنّ الأمر أكبر مما يظنون..
إنّه ليس قطّاً! أو حتّى أسداً...
إنّه البرتو...منبع الخبث!!
هل فقط هم قلوبهم تقرع بخوف؟! أم جميعنا؟!
لا بدّ من أنهّا عاصفة عنيفة...
ستهوي بنا...
إنّهما الشخصان اللذان لا يعرفان التراجع
من أين سأبدأ أنا؟!!
حسناً...
يبدو أنّ الرحلة قاربت على الوصول.. ستطرق بابها بعد وقت قليل.
لنتحضّر جميعاً...
هل سنترك آديل وحدها!؟؟
إذاً..
في هذه الرّحلة لا مكان للجبناء..،إن لن تحضّر نفسك.. فارحل...هذا عالم القوّة..
..
* * *
استيقظت اليوم بعد رؤيتي لحلم عجيب ،أصابتني رهبة حقيقة،فأنا لست مرتاحة أبداً لهذه الأحداث ،دقات قلبي المتسارعة،نظرة الخوف التي أراها في عمق عينيّ الكسندر،هذا الحلم الغريب
.
استيقظنا صباحاً وكل شيئ كان ما يرام،أبي في عمله،أمي في حديقة المنزل تعتني بورودها ،أنا في المنزل أقرأ رواية كعادتي ، لا أدري حقّاً ما هذا الشعور الذي يغمرني منذ أن استيقظت صباحاً ،كما لو أن هواء العالم أجمع لا يكفيني،أريد أن آخذ هواء يكفيني ولكنّ الأمر يبدو وكأنّ صخراً على صدري يثقله...
حسنا. .
ذلك اليوم الكئيب والدي لم يعد..،وكانت لحظات غيابه اثقل من الجبال على قلبي، فأنا فزعت من أن يكون البرتو فعل ما فعله في المرّة السابقة..
وأمي ظنّت أنّهم رجال كما في المرّة السابقة، وهي لم تنتظر أكثر ،أعلمت فوراً الشرطة بالأمر، ولك حكومتنا العزيزة لم تستجب، قلم يمرّ على غيابه أربع وعشرون ساعة..
متُّ رعباً عليه ،فالوقت تجاوز الخمس الساعات ويبدو الامر اخطر مما توقعنا..
في اللحظات القليلة ،جاء الكسندر بهدوء معهود فاندفعت بلهفة قائلة
-"الكسندر ،أبي أين هو.؟؟؟؟!ارجوك !!قلبي يتآكل خوفاً عليه قل "
وما زادني صمته إلّا رعباً..
-" الكسندر ، ارجوك ،لماذا لم تنبس بحرف؟؟ماذا حصل بوالدي ؟!، لا أصدق!!"
لا جواب ! ! !
صرخت فيه-" الكسندر !!إن كنت تدري فانطق.. لماذا توجع قلبي اكثر ،وانت تراني على نار ؟؟،هااا؟؟"
صرخ فيّ بحدّة-" ماذا تنتظرين منّي آديل ؟؟أن اخبرك بكلّ هدوء واللعنة أن البرتو قد سحب والدك لعالمه ؟؟، أنّك لن تري والدك مجدداً، أن والدك سيصبح عضواً منهم ، انتِ انطقِ..هياا"
وهنا كانت صدمتي الكبرى..
والدي .!!
قلت مبتسمة بهدوء-"تمزح ،تمزح أنت طبعاً ،أنا أثق بهذا ، هذه إحدى نكاتك السخيفة !! " نزلت من عيني دمعة متمرّدة وأكملت بيأس-"الكسندر!!أين أبي، وكفَّ عن مزاحك الثقيل "انفجرت في نهاية كلامي باكية ،فلانت ملامحه بحزن شديد..فشدّني لحضنه ،وغمرني بدفئ صدره، وبدأيمسح على شعري بحزن..
-"صدقيني آديل سوف ننتقم ..فلست وحدك من فقدت عزيز.أنا أيضاً، ولكنّ القوّة هي حلّنا الوحيد ،فلا البكاء سينفعنا ،ولا الحزن سيرجع ما فُقِد.. ".
-" ولكن ما فقدناه ليس. مالاً ولا إرث، إنّه والدي، سندنا، الشخص الذي ربّاني ،وكبرت تحت تحت جناحيه ،إنّه والدي ! "
وهنا ابتسم ببهوت شديد
-" أب ،أمّ،وأخ، هل جرّبت أن تفقدي كلّ هذا في لحظة واحدة؟؟،لا تدرين كيف ،ولماذا ؟؟ان تكونين في العاشرة من عمرك ،إنّه عمر صغير على الفقدان، وليس أيُّ فقدان ..،ليس أيّ موت !!أن ترين والدك ووالدتك وأخاك الذي لم يتجاوز عمره السنتين بعد يموتون خنقاً، أن ترين كيف تغيّر لون وجوههم إلى اللون الأحمر ، ثم إلى الأزرق ،لتشعر بعدها أن لا ألوان لوجوههم ولا أرواح لأجسادهم!!هل تدركين حجم الخيبة؟؟،الخذلان؟،الوحدة، لولا ظهور أدريان لمتُّ حقّاً!!!!"
نظرت له بخيبة شديدة ،وحزن أشدّ،،والد؟والدة ؟وأخ؟؟
نظرت له ولم تُحفى عنّي لمعة الحزن في عينيه، وهذه الدموع المتحجّرة التي تأبى النزول، سال خيط من الدمع على وجنتي ، وشددت على حضنه أكثر..
محزن حدّاً أن يفقد المرء عائلته،العائلة وطن، من دون عائلتك أنت حتماً مغترب ، أنا الآن والدي،فكيف لو غابت والدتي أيضا؟؟سيزيد على حزني حزن،وعلى خيبتي خيبات..
-" علينا أن نخبر والدتك بالأمر ،فلا يمكننا أن نكذب عليها في غيابك أيضا.."
-" معك حق، علينا إخبارها بالأمر، ولكنني أشدّ علماً بأنها ستكون الصدمة الكبرى!!"
قلت بعد استيعابي لما نطق به -"غيابي أنا؟؟ أيّ غياب؟؟"
-" ألا تريدين استرداد والدك؟؟الم نتفق على رحلة نرجع بها حقوقنا المسلوبة؟؟ "
-" ولماذا أصلاً لا يمكنك أن ترحل وحدك ؟"
-" لأنّ يداً وحدة لا تصفّق!! "
-" ولماذا هذه اليد الثانية هي يدي أنا؟؟ "
-" لأنّك نادرة.."
قلت بخوف-" وهل ستبقى هذه النادرة قطعة واحدة عند لقائها بالبرتو هذا،اقسم بأن كل قطعة من جسدي ستُرمى في قارة ، قال نادرة قال"
ضحك هو بعد قولي-" أنت لست طبيعية حتماً ، تعالِ سنخبر والدتك.. " تبعته بامتعاض وأنا أتمتم
" إذاً آنت الطبيعي أيّها الجنّي الغبي"
- " سمعتك !!!"
-" فلتسمع!!لا يهم.. "
نظر إليّ بتحذير فأجفلت -" لا تهتم الكسندر لما اقوله أنا حمقاء!! ".
رفع كتفه بلا مبالاة وأكمل طريقه قائلاً-"سأكون مرئياً إلى والدتك الآن ،فلل تتصرفين كحمقاء!!! "
كنت على وشك الإعتراض ، ولكن والدتي قد بالفعل ....
كنت على وشك التبرير بأنه ليس رجل عادي ومن هذا الكلام..
ولكن ردّة فعلها الجمتني
كليّاً..
Comments