أخيرا..
وصلت آلين و أمها و أختها إلى مصر بعد سفرة طويلة المدى و شاقة...
برغم جميع الظروف..تجد آلين في بلدها ما لا تجده في أي بلد.. تشعر بالأمان و السكينة فور دخوله.. فقد ولدت هنا.. و عاشت هنا لمدة 23 عاما قبل أن تتزوج من آدم و تسافر...
هنا في هذا الحي الصغير عاشت أسعد لحظات حياتها.. هنا ترعرت و كبرت بين أصدقاء طفولتها و عائلتها السعيدة..
كانت تجول انحاء المدينة بأعينها و إبتسامة خفية تعلو فمها..
إلتفتت نحوها.. رأت تلك المدرسة الجميلة.. لقد درست فيها لمدة عامين قبل أن تغادر البلد..
نعم فآلين كانت معلمة بمدرسة إبتدائية و لطالما أتقنت مهنتها و أحبها كل من درس عندها!!.
و الأهم من كل هذا ،فهنا عرفت آلين آدم عزيز قلبها.. هنا بين جدران هذا الحي الصغير و طرقاته تبادلوا آلين و آدم الغزل و العشق..
فلتشهد تلك الجدران و الأرصفة!.. فلتشهد تلك الألسنة و العيون... ليشهد الجميع كم عشقته لآدم...
ليشهدوا على أسمى قصص الغرام التي ألفتها!...
كانت تلك الثالثة و عشرون سنة أسعد سنين حياتها..
ليتها لم تغادر مصر .. ليتها ضلت هنا و عائلتها و تلاميذها الصغار....ليتها لم تذهب لتلك المدينة الكبيرة المنحوسة .. لقد سلبت منها كل ما تملك..
سلبتها حياتها ، سعادتها.،قوتها و روحها!...
و الآن، هاهي تعود إلى مصر و هي منكسرة و مهزومة.. و هي وحيدة ... بعد أن غادرتها و هي بهيجة مسرورة...
كم ان الحياة قاسية!.. حياة تافهة!..
حياة خائنة!.. توهمك في بدايتها بأنها شريفة معطائة!! لكنها حقيرة ذليلة!... يالا هذه الخيانة..
و بينما آلين شاردة تصارع ذكرياتها و تنقم على حياتها قاطعتها أمها ممسكة بذراعها بحنان:
- هيا يا صغيرتي لندخل بيتنا.. لا بد أنك منهكة من بعد هذه السفرة الطويلة..
وصلوا باب بيتهم الكبير .. دقت أمها الباب و في بضع ثوان فتح الباب و ظهر من ورائه جميع أفراد العائلة ينتظرون قدوم أختهم بفارغ الصبر..
دخلت الأم و دخلت خلفها آلين ... و ما أن أطلت آلين اذ أسرع أخاها الصغير " أيسم" و إرتمى في حضنها يقبلها بقوة..
ثم لحقت بهما أختها ' رغد' و شاركتهم الحضن الحميم...
كانت آلين مشتاقة بدورها إلى أفراد عائلتها و إلى هذا الحضن الجميل.. لكنها كانت متعبة نفسيا و جسديا فبمجرد دخولها هذا الحي فقد حرك فيها مشاعر موجعة و ذكريات مؤلمة..
كما أن شهرا ليس كاف لتتخطى تلك الحادثة...
فكانت تتصنع إبتسامة زائفة و تكتم نهرا من دموع حقيقية!..
ثم أقبل آباها ' أحمد' و قد إغرورقت عيناه و فاض قلبه ألما بعد أن رأى حالة إبنته المدللة .. فقرب منها و ضمها إلى حضنه بقوة و أققل على جسمها الهزيل بين جناحيه كأنه يحميها من قساوة هذا العالم الحقير...
إنفجرت آلين باكية مهزومة بين أحضان والدها .. بينما كان هو يتأوه لألمها.. كم أود أن يحمل عنها أنين قلبها.. فهو لا يستطيع أن يراها تتألم هكذا..
لقد كانت دوما إبنته الصغيرة المدللة .. عزيزة قلب والدها ..
لم يراها يوما منكسرة بهذه الطريقة المخيفة!...
لكن ليس بوسعه إلا الدعاء إليها...
.....
و بعد ذلك اللقاء الودود الذي هيمن عليه نحيبا طويلا و شحن بموجات ألم حادة.. ذهبت آلين إلى غرفتها.. غرفتها تلك التي إعتادت النوم فيها طيلة الثالث و عشرون سنة..
دخلتها و قلبها يخفق بشدة.. فتحت الباب ببطء..
إستقبلتها رائحة حركت فيها أحاسيس مختلفة...
رائحة طفولتها ربما!... أو رائحة أيامها الحلوة فيها...
دخلت و أقفلت الباب ورائها..
لم يتغير شيء إلى الآن!..
لا الجدران و لا الصور المعلقة عليها...
لا السرير و لا اللعب النائمة عليه....
لا المكتب ولا كتبها الماكثة فوقه..
كل شيء كما هو تماما!...
لم تتغير غرفتها و لا كل هذه الأشياء..
هي فقط من تغيرت!... قلبها الذي تغير.. أو لنقل غيرته الأيام و الأحزان...
و روحها التي باتت مرحة تغيرت كذلك لتصبح باهتة لا لون فيها !...
.........
ثم ألقت بجسمها المنهك على سريرها لتريح جسدها
و غاصت في سبات طويل لتريح عقلها من تفكير عميق!..
Comments