و بعد أن قضت آلين قرابة الأسبوع في المستشفى تصارع الموت الذي كانت تتمنى حضوره عادت إلى بيتها رفقة أمها و أختها وقد جاءوا فور سماعها ذلك الخبر المفجع لمواستها..
دخلت آلين بيتها الذي تركته قبل أسبوع و تركت معه أسعد لحظات حياتها التي باتت فارغة بعد أن فقدت تلك الأسرة الصغيرة السعيدة!..
كانت لا تكاد تستطيع الوقوف من ثقل قلبها على جسمها!... وقفت أمام باب بيتها و هي تحدق في تفاصيله الدقيقة...
رأت هنالك في ركن ما فيه إبنها الصغير آرون و هو يجمع ألعابه ليخبئها في صندوق صغير ثم يصوب تجاهها طالبا منها أن تشاركه اللعب..
و في الركن الثاني.. رأت عزيز قلبها و رفيق روحها آدم و هو يجهز طاولة كبيرة من ألذ الطعام ثم يقبل نحوها بكل فرح ليخبرها بأنه و من أجل راحتها أعد هو العشاء اليوم !
أجالت بصرها في كامل البيت.. في كل ركن صغير منه ترى إبنها الصغير و زوجها يناظرانها و الإبتسامة تعلو وجوههم!... و تسمع صوت ضحكاتهم .. و قهقهة آرون و هو يلاعب والده..
كما تراها و آدم يحتضنان بعضهما بينما يتغزل بها و يداعب شعرها الجميل..
لكن.. لماذا يبدو البيت غارقا في ظلاما أدجن.؟ و ما كل هذه العتمة التي تغلف جدرانه ؟ لماذا يبدو فارغا بائساً ؟..
لقد تركته و هو في أبهى صوره ! ملونا بأزهى الألوان مفعما بالحياة..
لماذا تغير إلى هذا الحد ؟.. أين بيتها الجميل ؟ أين لحظاتها البهيجة ؟...
جرت أقدامها بصعوبة تامة.. و دخلت غرفة إبنها الراحل بكل هدوء..
شعرت بوخزة في قلبها فور دخولها..
رغبت في الإبتعاد سريعا.. أرادت أن تهرب دون أن تنظر ورائها.. أن تغادر هذه البيت حالًا قبل أن يتحطم قلبها!..
لكنها... قست على قلبها و دخلت .
ألقت بجسدها المنهك على جدار الغرفة.. كانت مثقلة بآلام الفراق و الخيبة.. أخذت تقلب دفتر الصور و تتأمل ملامح فاقدينها و تقلب الصفحات ببطء ،تتأمل بحزن بريق النيران يتراقص بين مختلف الصور وحينها أدركت حقا بأن لا شيء كان يحترق إلا روحها.. و لا شيء تبقى إلا الذكريات....
هَا قَدْ مرّ شهراً!..
شهرا و آلين على نفس الحالة التي تركناها عليها!.. شهرا في بيتها بنيويورك تحاول إستيعاب ما جرى لها!.. قضت ذلك الشهر في بيتها بين صور أحبابها و بين ذكرياتهم الموجعة...
كانت تدعو الله كل ليلة أن تفيق من سبات طويل لتجد بأن كل شيء كان مجرد كابوس!... كابوس مميت قلب حياتها رأس على عقب في لحظات!..
و إن لم يكن كذلك فتتمنى أن تذهب حيث زوجها و إبنها الصغير.. فهي لا تريد الحياة من دونهم!.. و هل يوجد حياة بدونهم من الأساس!...
لقد كانوا كل حياتها.. و بغيابهم فهي لا تريد الحياة...
و فعلا!.. من هذا التفكير حاولت آلين الانتحار أكثر من مرة!...إلا أن و الحمد لله كان لديها سند أمها و أختها الذي لم يتركاها يوما وحيدة!... كانت تقدر عنائهما و مدى حزنهما عليها.. فلطيلة هذا الشهر كانت تصاب بنوبات فزع مخيفة!.. فقد كانت تستفيق تقريبا كل ليلة و تصيح بأسماء زوجها و طفلها الصغير...
كما كانت ترفض الأكل أبدا... إلا بعض من الماء او قطعة خبر صغيرة أرغمتها والدتها على أكلها أو كانت ستموت جوعا!...
تدهورت صحة آلين كثيرا بآخر فترة!.. أصبح جسمها المنهك هزيلا!.. و وجهها الذي لطالما بدى مشرقا جميلا فقد بات شاحبا تغطيه صفرة قاتمة!.. و عينيها العسليتين فقد سيجتا بلون أسود فاحم!... فقد عشق الحزن وجهها و خط أنامله على ملامحها الهزيلة....
أصبحت تعيش في شرود تام.. فأي كلام سينفع هذا بعد المصيبة التي حلت بها ؟.. و أي حياة هذه التي ستعيشها بعد أن فقدت جزء من روحها و قلبها ؟..
***
حاولت والدتها 'آمنة' أن تصطحبها إلى المشفى لتطمئن على صحتها مرار.. لكنها قوبلت بالرفض...
كما كانت تحاول الحديث مع إبنتها لعلها سترتاح قليلا لو تكلمت.. لكن آلين كانت ترفض الحديث تماما و كل ما حاول كل من امها و اختها التحدث معها لمواستها فقد كانت تطردهما من غرفتها!..
فلم يكن بوسعهما إلا الدعاء إليها لعل ذلك يخفف من الألم الذي إستوطن قلبها كنازح أزلي..
***
بعد مرور ذلك الشهر الذي بدا دهرا على آلين .. و عانت فيه ما لم تتصور يوما أن تعانيه..
قررت والدتها العودة إلى 'مصر' فهي لا تستطيع المكوث هنا طويلا!.. و بطبيعة الحال لا تستطيع أن تترك آلين وحيدة في بلد غير بلدها تشقى بنفسها!.. و اذا فعلت فلن ترى إبنتها الحبيبة أبدا نظرا لصحتها النفسية و ما تمر به الآن!.. فلا ننسى أنها حاولت الإنتحار عدة مرات!..
و من ذلك ،جمعت آمنة حقيبتها كما فعلت إبنتها 'مريم' إستعدادا للرحيل... ثم أقبلت الأم على إبنتها في غرفتها و من دون مسبقات قالت لها " آلين إجهزي سنرحل من هنا"
رفعت آلين عيناها و نظرت إلى أمها نظرة تسائلت من حيثها إلى أين سنرحل...
_سنخرج من هذا البيت.. سوف نترك هذه المدينة اللعينة!.. سنعود إلى بيتنا بمصر حيث كبرت!..
و هنا قفزت آلين من سريرها! و صاحت:
_ لن أذهب إلى أي مكان !!.. سأضل هنا!... لن أترك بيتي.. أذهبوا بمفردكم!!! أتركوني!! . ثم أغلقت الباب بوجه والدتها و سقطتت على الأرض باكية!..
***
كانت تلك الليلة أطول من غيرها من الليالي ،فقد قضت آلين ليلتها تفكر بكلام أمها..
كيف تترك هذا البيت ؟ صحيح أنها لم تقضي فيه أياما كثيرة لكنها ألفته!.. فهنا عاشت أياما جميلة!.. هنا ذكرياتها البهية!!.. هنا ترى آدم يحضنها و صغيرها يلوح لها...
لقد شهدتت جدران هذا البيت و نوافذه على قصة عشقهما الرائعة! هنا عاشت أسعد أيامها... و الآن سترحل ؟.. أليست هذه بالخيانة ؟.. خيانة لآدم رفيق روحها ؟ و لصغيرها الحبيب آرون ؟..
و بينما آلين غارقة في بحر الهموم و الذكريات اذ بآمنة تدخل عليها فتجلس بجانبها على حافة السرير و آلين مولية ظهرها و قد تظاهرت بأنها لازالت نائمة ..
كانت الام تعرف بأن إبنتها غير نائمة فبدأت في الحديث معها لعلها تقنعها في العودة إلى مصر .
_عزيزتي آلين، أعلم أنك تتألمين بشدة.. استطيع ان أرى كمية الألم في عينيك يا حبيبتي ...
لا أدري أي كلمات هذه التي يمكنني مواستك بها... ليس من السهل أبدا على المرء ان يواجه أمر هكذا في عمر صغير .. لكنك يجب ان تكوني قوية من أجل نفسك جميلتي..
كما أعلم أنك لا تريدين مغادرة بيتك هذا !.. أرى كم أنت متعلقة به و أنه ما بقى لك من رائحة فاقديك.. لكن بماذا سينفعك المكوث هنا ؟.. لن تجني إلا ألما..
لا تقسي على قلبك الصغير آلين.. هيا إلى منزلنا هناك ستعيشين مع عائلتك التي تحبك ..
معي انا و اختك مريم و آباك و اخوك الصغير إنه بإنتضارك كذلك !.. هناك سنتقاسم معك حزنك..
و سيمر كل شيء بإذن الله ..
أجهشت آلين بالبكاء و إرتمت في حضن أمها طويلا..
***
حل الصباح ،صحت آمنة و وجدت آلين نائمة في حضنها و عيونها مبللة بدموع لامعة.. مسحت على شعرها الناعم و مسحت دموعها ثم أيقضتها بلطف و حنو ..
_آلين صغيرتي.. هيا إستيقظي يا حبيبتي ..
فتحت آلين عينيها ببطء .. تذكرت كلام أمها البارحة و موضوع السفر ..
أطنبت قليلا كأنها تستجمع أفكارها ثم إلتفتت إلى أمها :
_ سأذهب معك يا ماما.. و إغرورقت عيونها دموعا...
ضمتها آمنة إليها بقوة و ربطتت على ظهرها..
_ ستكونين بخير عزيزتي .. كل شيء سيكون بخير ...
***
جمعت آلين أغراضها ، ملابسها ،ملابس آدم وملابس آرون و هي تقبلها و تشم رائحتها..
جمعت كذلك صور لهم و لعب آرون الذي إعتاد اللعب بها...
و قفلت الغرف و غادرت..
هكذا إنتهت بها الأحلام الجميلة . هكذا فقدت أغلى ما تملك و ما ملكت.. و لم يبق لها شيء منهما سوى بعض الصور و ذكريات لن تنساها تحملها في دماغها و تحلم بها كل يوم ...
Comments