لحظت هارم الصعداء بعد انقضاء صخب الاحتفال. كان هذا شعور من يكون ملكًا ليوم واحد. لم يكن الأمر بتلك الروعة التي تخيلتها.
يؤرق العروس كافة الأحاسيس. الصداع والإرهاق والغثيان والتعب مزيج ثقيل شعرت به اليوم.
من الحشوة الضاغطة تحت الحجاب التي آلمت رأسها، والتاج المُضاف وزن آخر لحمله. إضافة إلى العطور الكثيفة من مستحضرات التجميل التي كادت تُغمى عليها منها في وقت سابق.
ليس غريبًا، فهي لا تألف مستحضرات التجميل. تُصاب هارم بالحساسية من روائح المواد التجميلية الزائدة.
وقد وقفت طوال اليوم على المنصة، مُقدمة الابتسامات للضيوف المدعوين، مُرهِقةً للغاية. وتذكرت ببسمة طفولتها عندما سُئِلت "ماذا تتمنى أن تكوني عندما تكبرين؟"
وكانت هارم الصغيرة تجيب "أرغب بأن أكون عروسًا."
والآن، تحقق حلمها في عمر الحادية والعشرين، بعد شهر من إكمال تعليمها في قسم المحاسبة وحصولها على اللقب الأكاديمي، وكذلك فقدان جدتها العزيزة.
كونها عروس وبجوار الرجل الذي دومًا ما أُعجبت به، خفف من حزنها للفقد الأبدي لجدتها.
لو اطلَّت جدتها على زفافها، لكانت هارم على يقين من فرحة الجدة الكبرى. فالجدة كانت الوحيدة التي تعلم بإعجاب هارم المُضمر لابن السيدة ميرنا منذ زمن.
احمر وجه هارم عند تذكر حالها كعروس جديدة. قد شعّت خدودها حُمرة عند تأملها لليلة الأولى.
"هارم." لحُسن الحظ أن صوت السيدة ميرنا قطع أحلامها قِبَل أن تغدو أسرابًا مُستطيرةً.
"نعم، يا أمي." هارم، التي انتهت للتو من إزالة المكياج، قامت سريعًا على قدميها.
"إذا كنت تودين الاستحمام، الفوطة في الخزانة." قالت حماتها بلطف، وأجابتها هارم بأدبٍ كذلك.
أقيم حفل الزواج في منزل عائلة هانغا، قررت السيدة ميرنا عدم اختيار قاعة، فَضّلوا إلى ذلك شمولًا لسكان القرية عامةً ليُشاركوا بهجة العائلة.
قبل أسبوع من الحدث، انتقلت هارم المتيتمة للعيش في بيت عائلة هانغا، فيما يقطن هانغا بمنزل آخر تملكه عائلته في منطقة سكنية قريبة من قرية والديه. تعتبر عائلة زوجها من الأُسر الغنية التي تملك عدة عقارات.
"أين هانغا يا هارم؟" برقت السؤال بعد أن جالت نظرات السيدة ميرنا في زوايا الغرفة المُزدانة بالورود، ولم تجد ابنها.
"يبدو أن هانغا لا يزال مع أصدقاء بالخارج." السيدة ميرنا أجابت نفسها، مصحوبة بابتسامة خفيفة.
ابتسمت هارم بمقابل للسيدة ميرنا.
لكنها استيقظت على حقيقة أنه لم يكن في حفل زفافها المبارك أي من أصدقاء هانغا المدرسيين.
كانت هارم تعرف جُلّ أصدقاء هانغا المدرسيين لأن جدتها كانت تبيع الوجبات الخفيفة بمدرسته، حيث كانت هي تُقف بجانب الجدة مُساعدةً بعد المدرسة.
أما أصدقاء هانغا الجامعيين، فهارم لم تعرفهم لأنه درس في جاكرتا.
خلال الاحتفال، لم يبد على هانغا الأُلفة مع ضيوفه. فبدا وكأن الإحضار كان من قِبل العائلة ومعارف والديه وحسب.
"هل تناولت الطعام يا هارم؟" قالت السيدة ميرنا في عناية.
"نعم، يا أمي."
"الجميع في المطبخ يتناول النودلز. إذا كنت تريدين منها كذلك فابشري، فسأطلب من جيناه أن تعد لك بعضها." عرضت حماتها.
"ليس هناك حاجة، يا أمي. إذا أردتُ، سأحضرها بنفسي لاحقًا." رفضت هارم بأدب.
"حسنًا، إذًا." صمتت السيدة ميرنا للحظة وهي تنظر إلى هارم. "أنا سعيدة أن هانغا تزوجك أخيرًا. آمل أن تكوني سعيدة أيضًا، يا هارم." تابعت.
شعرت هارم بدفء في قلبها لكلمات حماتها.
شعرت بأن القدر قد منحها جمالًا لحياتها. ما الرائع أكثر من قدر مقسوم يجمعك بمن تُريد؟ ولطف حماتها معها يزيد من روعة الأمور.
لم تطل وقتها، إذ مضت لتنظف جسدها. وبعد الاستحمام، عادت إلى الغرفة. لم يكن هانغا قد وصل بعد. أيدت الكلام الذي قالته حماتها قبل قليل، أن هانغا ربما لا يزال مشغولًا بضيوفه.
جلست هارم مُستندة بظهرها على رأس السرير. لاهَت بتفقدها الهاتف لبرهة ردًا على بعض الرسائل من أصدقائها. معظم الرسائل تحوي تهاني وأمنيات لحياة جديدة مليئة بالسعادة والرغد.
حتى الواحدة والنصف ليلًا، لم تبدُ أي علامة لوصول هانغا إلى الغرفة. لم تسمع حتى صدى صوته.
أمام المرآة، مررت هارم فرشاة عبر شعرها الطويل الأسود الجميل. شعرت بقلق وقلقلة لغياب هانغا.
ومع ذلك، داهم النعاس عينيها واستسلمت له لتغط في النوم العميق.
قبل أن تذهب إلى الفراش، أخذت هارم حجابًا جاهزًا بلون البراوني فوق ملابس النوم المحتشمة، وانطجت على السرير مُغمضة عينيها. غمرها التعب واستسلمت للحلم.
*
في الساعة الثالثة والنصف فجرًا، دخل هانغا بلا حماس إلى غرفة زوجته. لمح الفتاة التي وقفت إلى جانبه طوال اليوم قد استغرقت في النوم.
بعد الاحتفال الذي بدا له بسيطًا، عاد هانغا إلى المكان الذي أقام به لليومين الماضيين. المنزل الذي يقطنه، والذي أُحضِر إليه، بحسب تعبير أمِّه.
لم يكن في نية هانغا البقاء هناك وواجهة إزعاج ليلة الزفاف مع امرأة لم يكن يحبها. ولكن عند تذكر أمه، غير رأيه وأسرع بالعودة إلى بيت والديه، وطبعًا إلى غرفة الزفاف.
شعر بالارتياح وهو يرى الفتاة التي قد عقد قِرانه عليها ذلك الصباح نائمة بهدوء.
اقترب هانغا بخطى وئيدة من هارم، التي أصبحت الآن زوجته. نظر إلى وجهها، فأحس بضيق في قلبه. كيف سيكون فجر أيامه معها؟ كيف عليه أن يتصرف معها؟
لم يخطر بباله يومًا أن يعيش حياة زوجية مع امرأة لا يحبها.
ماذا سيقول لنتاليا فريسكا وايونغ، الجميلة التي قضت معه ست سنوات من العشق والمحبة. حتى في هذه اللحظات، كانت مشاعره مُتصلة بتلك الفتاة ذات الملامح الآسيوية.
كيف يفرط فيها وهي كل عالمه؟ هي سعادته.
وقف هانغا ينظر إلى هذه الفتاة الطاهرة بالحجاب. أقرّ قلبه بأنوثة وجمال هارم، وهي بجمالها الأندونيسي. ولكن في نظره، كانت نتاليا أجمل، بمراحل الأجمل.
أليس الجمال نسبيًا؟ يملك كل رجل معاييره في تحديد معنى 'الجمال'.
هانغا كان يفضل مظاهر النساء الأسيويات التي تشبه نجمات كوريا. وجدها في نتاليا فريسكا وايونغ. الفتاة ذات البشرة البيضاء كالثلج، الأنف الصغير الأنيق، الجسد الممشوق والطويل. فتاة من أصول صينية منداوية سلبت لُبّ هانغا.
كانت جمالها يُضاهي بهاء سونغ هاي كيو، نجمة كورية تُعتبر في عين هانغا كأيقونة جمال.
فرك هانغا وجهه بيأس وهو يُفكر في نتاليا، حبيبته.
رفضت السيدة ميرنا قصة الحب التي جمعتهما، فالعقبات بينهما تبدو جبالاً شاهقة. ومهما كان حبه لنتاليا، كان حبه لخالقه أعظم.
"الزواج ليس فقط للعيش معاً في هذه الدنيا، وإنما إعداد للحياة في الآخرة. كيف يمكنكما المضي قدماً في رباط مُتوافق إذا كان الإله الذي تعبدانه مُختلفاً؟" هكذا كانت تُعبِّر السيدة ميرنا عندما تُعارض حبه لنتاليا.
"تزوج هارم، ستكون حياة أمك هنيئة مُطمئنة إذا تزوجتها." ولكثر ما طالبت السيدة ميرنا بذلك.
لم يستطع هانغا رد طلب أمه حينما بكت تتوسل إليه. بجسدها الواهن وذراعها المُحتضن للأنبوبة، طلبت منه الزواج من هارم.
واليوم هو زوج هاروم رسميًا، وهي الفتاة التي يعرفها منذ الطفولة ولم تنجذب إليه على الإطلاق كما يفعل الرجل مع المرأة. حتى لو كان يحب هاروم، فهو مجرد مخلوق زميل خلقه الله.
لأنه كان يعلم ويعرف جيدًا أن هاروم كانت فتاة جيدة.
*** تم توقيع هذا العمل مع NovelToon، ويُمنع بشدة القرصنة مثل إعادة النشر بدون إذن.***
Comments