في مكتب المدير جاك، جلس ينتظر الطبيب ليو، الذي لم يكن مجرد طبيب نفسي، بل مختصًا في الحالات المعقدة، تمامًا كجيكوب.
عندما دخل ليو، بدا عليه الإرهاق الطفيف، لكنه أخفى ذلك بابتسامة احترافية. كان طويل القامة، ملامحه حادة، ونظراته ثاقبة، كشخص يزن كل كلمة قبل أن يقولها.
"جاك، كالعادة، أنت لا تدعني أرتاح." قالها بنبرة ساخرة وهو يجلس.
"وأنت لا تدع مرضاك يرتاحون، لذا نحن متعادلون." أجابه جاك، ثم مد يده ليعطيه كوبًا من القهوة.
أخذ ليو رشفة، ثم أسند ظهره وقال:
"حسنًا، كنت مع جيكوب اليوم. حالته لم تتغير كثيرًا، لكنه بدأ يظهر سلوكيات جديدة تستحق الانتباه."
"جيد، أخبرني عن الجلسة."
ليو وضع كوب القهوة جانبًا، وأخذ نفسًا عميقًا قبل أن يبدأ الحديث عن مريضه.
جلسة جيكوب مع ليو – قبل ساعات
في غرفة العلاج، جلس جيكوب أمام ليو، يده اليمنى تضغط على معصمه الأيسر بقوة، كأنه يحاول كبح شيء داخله.
"هل جرحت نفسك مجددًا؟" سأل ليو دون أن يظهر أي استنكار، بل بنبرة هادئة، كأنه يسأل عن الطقس.
"ليس كثيرًا... مجرد خدوش بسيطة. لا بأس، صحيح؟" قال جيكوب بابتسامة متوترة، لكنه لم يستطع إخفاء نظرة اللذة المختلطة بالندم في عينيه.
ليو لم يجب فورًا. بدلًا من ذلك، فتح ملفه وسأل:
"أخبرني، في الأسبوع الماضي، قلت لي إن الألم يجعلك تشعر أنك حي. هل ما زلت تؤمن بذلك؟"
جيكوب أغمض عينيه للحظة، ثم فتحهما وقال بصوت خافت:
"أحيانًا... لكنني بدأت أشعر بشيء غريب."
رفع ليو حاجبه. "ما هو؟"
تردد جيكوب، كأنه يخشى الاعتراف، ثم قال:
"لم أعد أكتفي بألمي فقط."
"ماذا تعني؟"
"أعني... بدأت أتخيل ألم الآخرين."
سكت ليو للحظة، ثم قال بحذر: "هل جربت إيذاء شخص آخر؟"
جيكوب ضحك، لكنها لم تكن ضحكة طبيعية. كانت ضحكة عصبية، غير مستقرة.
"لا، لا، لا تقلق، دكتور. لا أعتقد أنني أريد فعل ذلك... فقط أفكر به."
عودة إلى مكتب جاك
أنهى ليو سرده، ثم ارتشف من قهوته مجددًا، بينما جاك كان يضغط على أصابعه مفكرًا.
"إذن، نحن نتحدث عن تحول محتمل من المازوخية إلى sadistic ideation. ليس تطورًا مثاليًا، أليس كذلك؟" قال جاك أخيرًا.
"بالضبط. وأنت تعلم أن الوسواس القهري لديه معقد أيضًا. أفكاره تدور وتدور حتى تصبح واقعًا. لذا يجب أن نكون حذرين."
جاك نظر إلى السقف للحظة، ثم قال بنبرة هادئة لكنها حاسمة:
"لا أريد أن نفقد السيطرة عليه، ليو. تأكد من أن يبقى تحت المراقبة."
"بالطبع. لكن تذكر، جاك...
"لا أحد يبقى تحت السيطرة إلى الأبد."
في مكتب جاك، اجتمع ثلاثة من أفضل الأطباء النفسيين في المستشفى: علي، وسارة، وليو.
جلس جاك خلف مكتبه، ينظر إليهم باهتمام، ثم قال بنبرة عملية:
"حسنًا، لنبدأ بتقاريركم. علي، كيف كانت جلستك مع لولا؟"
علي يتحدث عن لولا وبيلي
علي تقاطع أصابعه أمامه، يفكر للحظة قبل أن يقول:
"لولا ليست مجرد مريضة انفصام عادية. بيلي، كما تدعي، ليس مجرد دمية أرنب ممزقة بالنسبة لها. إنه أكثر من ذلك... إنه امتداد لشخصية أخرى بداخلها، شخصية تحمل جزءًا من ماضيها ومنطقها الملتوي."
سارة رفعت حاجبها، متسائلة: "هل تعتقد أن بيلي هو شخصيتها البديلة الأساسية؟"
علي هز رأسه ببطء: "ليس بالضرورة. لكنه المفتاح لفهم كيف ترى العالم. سألتها كيف تميز الأشخاص النجسين، ومن يجب 'تطهيرهم'. أجابت بأن بيلي هو من يخبرها بذلك."
جاك استند على مرفقه وقال بفضول: "وهل تظن أن لولا تدرك أن بيلي جزء منها، وليس كيانًا منفصلًا؟"
"لا، وهنا تكمن المشكلة. بالنسبة لها، بيلي موجود كشخص حقيقي، كشخص يأمرها، ويبرر لها أفعالها. إنها لا ترى أن بيلي هو مجرد جزء منها، بل كائن مستقل تمامًا. وهذا يعني أنني لا أتعامل فقط مع مريضة انفصام، بل مع شخص يقاتل نفسه دون أن يدرك."
جاك ابتسم قليلاً وقال بمكر: "إذن، علي، خطتك؟"
"أنا بحاجة لأن أجعلها تشك في بيلي، أن أخلق صدعًا في يقينها بوجوده. إن استطعت أن أجعلها تتساءل، ولو للحظة، عن حقيقته، فقد تكون تلك أول خطوة في العلاج."
سارة تتحدث عن سوزان – اضطراب الشخصية الحدّية
جاك أومأ لعلي، ثم حول نظره إلى سارة: "وماذا عن سوزان؟"
سارة زفرت وقالت بنبرة متعبة:
"كالعادة، كانت جلستنا فوضوية. سوزان لا تستطيع الحفاظ على استقرار مشاعرها أكثر من بضع دقائق. في البداية، كانت تحبني، ثم فجأة كرهتني، ثم عادت تبكي وتقول إنني الوحيدة التي تفهمها."
ليو ضحك بخفة وقال: "نمط حدّي نموذجي."
"بالضبط." سارة تابعت: "ما يثير القلق أكثر أنها بدأت تهدد بإيذاء نفسها إن لم أوافق على مقابلتها يوميًا. أصبحت علاقتنا بالنسبة لها أشبه بإدمان عاطفي."
علي سألها: "هل تعتقدين أنها قد تؤذي نفسها فعلًا؟"
"إنها تفعل ذلك بالفعل، لكن بطريقة مدروسة. جروحها سطحية، لكنها تضمن أن يراها الآخرون. إنها تسعى إلى الاهتمام أكثر من كونها تريد الموت فعلًا. المشكلة أنها قد تفقد السيطرة يومًا ما."
جاك فكر قليلًا ثم قال: "إذن، نحن أمام مريضة تلاعبية، لكنها في نفس الوقت ضحية مشاعرها المتقلبة."
"تمامًا. يجب أن نجد طريقة لكسر نمطها، وإلا ستظل تدور في هذه الدوامة بلا نهاية."
ليو يتحدث عن جيكوب – المازوخية والسلوك الوسواسي
ليو، الذي كان يسمع بصمت، تدخل قائلًا: "وماذا عن جيكوب؟"
جاك التفت إليه: "أخبرنا، أي جديد؟"
ليو وضع ساقًا فوق الأخرى وقال: "كما قلت لك سابقًا، بدأ جيكوب يتخيل ألم الآخرين. في البداية كان يركز فقط على إيذاء نفسه، لكن الآن... بدأت الأمور تتغير."
علي نظر إليه بحدة: "هل تعني أنه قد يتحول إلى شخص مؤذٍ للآخرين؟"
ليو هز رأسه: "ليس بعد، لكنه يقترب من هذه المرحلة. المشكلة أن وسواسه القهري يجعله يكرر الأفكار حتى تصبح جزءًا من روتينه. إن بدأ يتخيل إيذاء الآخرين بشكل متكرر، فسيصبح فعل ذلك مجرد مسألة وقت."
جاك تأمل الأمر ثم قال: "إذن، نحن بحاجة لإيقاف هذا النمط قبل أن يتحول إلى سلوك فعلي."
علي فكر للحظة ثم قال: "ربما يمكننا استخدام وسواسه القهري ضده."
سارة نظرت إليه باستغراب: "كيف ذلك؟"
"إذا كان جيكوب مهووسًا بأفكاره، فهذا يعني أنه يمكننا زرع أفكار مضادة في رأسه. شيء يجعله يشعر بالنفور من فكرة إيذاء الآخرين. بدلًا من منعه مباشرة، نجعله يخشى العواقب إلى حد يجعله يتجنب الفكرة تمامًا."
جاك ابتسم وقال: "أحب الطريقة التي تفكر بها، علي. حسنًا، فلنرَ كيف يمكنك تنفيذ ذلك."
نهاية الاجتماع – وبداية تحدٍ جديد
بعد دقائق من النقاش، خرج الأطباء الثلاثة من المكتب، كل منهم يفكر في استراتيجياته الخاصة.
علي كان يعلم أن مهمته مع لولا لن تكون سهلة، لكنه كان مستعدًا لخوض هذه اللعبة النفسية حتى النهاية.
سارة كانت تدرك أن كسر دائرة سوزان سيحتاج إلى أكثر من مجرد جلسات عادية.
أما ليو، فقد بدأ يرى جيكوب كمريض بحاجة إلى تدخل فوري، قبل أن يتحول إلى شيء لا يمكن السيطرة عليه.
وفي مكان آخر من المستشفى، كانت لولا تحدق في دميتها "بيلي"، تهمس له بشيء غامض، بينما جيكوب يجلس في غرفته، يضغط على يديه بعصبية، يحاول مقاومة فكرة بدأت تتشكل في عقله.
في مكتب المدير – جاك مع أفكاره
جلس جاك في مكتبه، يحتسي قهوته السوداء بينما يتأمل في أوراق مرضاه المنتشرة أمامه. كان المشفى يعج بالحالات المعقدة، لكن ما يريحه هو أن لديه فريقًا من الأطباء الاستثنائيين.
"علي… رجل ذكي، يحلل كل شيء كأنه لعبة شطرنج. لا يرضى بالإجابات السطحية، وهذا ما يجعله مميزًا. لكن هل سيتمكن من التعامل مع لولا؟"
أدار الملف بين يديه، ثم نظر إلى اسم سارة. "سارة… صبورة لكنها مستنزفة. سوزان تُرهقها، لكنها لا تستسلم. أظنها بحاجة إلى إعادة شحن طاقتها قبل أن تبتلعها فوضى مرضاها."
ثم انتقل بعينيه إلى اسم ليو. "أما ليو… دائمًا هادئ رغم تعامله مع أصعب الحالات. جيكوب أصبح خطرًا زاحفًا، وليو يعرف ذلك. هل سيتمكن من إيقافه قبل أن يصل إلى نقطة اللاعودة؟"
ترك الورقة جانبًا، ثم أخذ رشفة من قهوته. انتقل تفكيره إلى الأطباء الآخرين في فريقه.
"ليزا… الحنونة، الملاك الذي يحبها جميع المرضى. حتى أولئك الأكثر عدائية يجدون فيها راحة. وجودها في هذا المكان يجعل الأمور أكثر احتمالًا."
ثم ابتسم قليلًا وهو ينظر إلى اسم سيم، الطبيب السويسري البارع في فك شيفرات الاكتئاب والتقلبات المزاجية. "سيم… رجل بأعصاب فولاذية، لا تفوته أي إشارة. لديه قدرة مخيفة على كشف دواخل الناس. لو كان مكان لولا، لا أعلم إن كانت ستستطيع خداعه."
لكن فجأة، توقف جاك عند اسم مألوف… لولا.
فتح ملفها، وعيناه وقعتا على صورتها. نظر إليها بتمعن. فتاة نحيلة، عيناها فيهما شيء غريب، نظرة ليست بالجنون المعتاد. هناك شيء أكثر… شيء لا يراه الآخرون.
تمتم لنفسه وهو يحدق في الصورة: "لولا… أنتِ لستِ مجرد مريضة أخرى. هناك شيء أقوى مما يبدو فيكِ، لكن ما هو؟"
شعر بقشعريرة خفيفة تمر في جسده، وكأن حدسه يخبره بشيء لا يستطيع فهمه بعد. لكنه سرعان ما زفر، هز رأسه لطرد الأفكار، وأعاد تركيزه على قهوته.
"كفى جنونًا، جاك. إنها مجرد مريضة أخرى… أليس كذلك؟"
في غرفة لولا – مواجهة مع الممرضة
في تلك الأثناء، كانت لولا تجلس على سريرها، بينما وقفت ممرضتها، ليونا، أمامها، تحمل كوب الماء وحبة الدواء.
"خذي الدواء، لولا." قالتها بلهجة حازمة.
لولا نظرت إليها ببرود، ثم أخذت الحبة وضعتها في فمها، وابتلعت الماء. لكنها لم تبلع الحبة حقًا، بل خبأتها تحت لسانها بمهارة.
ليونا ضيّقت عينيها بشك: "افتحي فمك."
ابتسمت لولا، فتحت فمها، أخرجت لسانها الفارغ، ثم رفعت حاجبها بتحدٍّ: "رأيتِ؟ لا أمانع أخذ الدواء كما تظنين."
لكن حين استدارت ليونا لتخرج، بصقت لولا الحبة في يدها، ثم ألقتها تحت السرير، وهمست بابتسامة ساخرة:
"أنا لا أحتاج هذا، أنا بخير… بيلي هو علاجي الوحيد."
Comments