Saycolen

Saycolen

_another boring doctor_

ليل دامس، هدوء مشوب باضطراب غريب...

خرجت الطفلة من غرفتها الصغيرة على رؤوس أصابعها، جدران المنزل تهمس بصمت مخيف، والهواء يثقل بصوت ضجيج مكتوم. وقفت عند باب الصالة، فتحت عينيها الصغيرتين بذهول وهي ترى بركة دماء تتمدد ببطء، تعكس ضوء القمر النافذ من النافذة.

عيناها الزجاجيتان ارتفعتا ببطء إلى الجسد الملقى أمامهاأمها، بلا حراك، عنقها مشقوق كزهرة ذابلة، وعيناها الواسعتان تحدقان في اللاشيء.

كان والدها يقف فوقها، يحمل سكينًا تقطر بلون الليل القاني، ملامحه ساكنة كأن ما فعله لم يكن سوى أمر عادي.

"أبي..." نطقت الطفلة بصوت هادئ، لا ارتعاش فيه، لا خوف... فقط براءة تبحث عن تفسير.

نظر إليها، مسح السكين بردائه، ثم انحنى ليصل إلى مستواها، عينيه تلتهمان ملامحها الخالية من المشاعر.

"أمك ارتكبت خطيئة." قال بصوت هادئ كما لو أنه يخبرها بقصة ما قبل النوم. "الشيطان أراد دمها ليطهّرها."

الطفلة لم تقل شيئًا، فقط رمشت، شعرت ببرودة الدم تحت قدميها الصغيرتين،

شهقة حادة

فتحت عينيها، اللهاث يخرج من صدرها كأنه صرخات حبيسة. سقف المستشفى الأبيض يقابل نظرتها الزائغة، الضوء الباهت يبعث شعورًا خانقًا.

"حلمتِ بمعاناتكِ مجددًا." جاء صوت الممرضة المعتاد، بلا تعاطف، بلا اندهاش.

الفتاة في العشرين من عمرها أغمضت عينيها ببطء، يدها المرتجفة تُطبق على الغطاء، وكأنها تحاول انتزاع نفسها من قبضة الماضي

بدأت الممرضة بإعداد الفتاة لولا دون أن تنتظر منها أي رد فعل.

جلست لولا على السرير ببطء، عيناها نصف مغمضتين كأنها ما زالت عالقة في غياهب الحلم، أو بالأحرى الكابوس. شعرها القصير كان مبعثرًا، أطرافه خشنة كأنها لم تهتم به منذ زمن. جسدها المكسو بالندوب والجروح القديمة يحكي قصصًا لا عدد لها، قصصًا لم تروِها يومًا، ولن تفعل.

كانت معروفة ببرودها... ليست برودةً عادية، بل ذلك النوع الذي يجعلك تتساءل إن كانت تمتلك مشاعر من الأساس. ملامحها جامدة، لا غضب، لا حزن، لا دهشة، كأنها كائن منفصل عن هذا العالم، مجرد ظل يتحرك بلا روح. حتى نظراتها كانت غريبة، باردة حد التجمد، لكنها في نفس الوقت توحي بشيء آخر... شيء غير بشري، كأنها ترى الناس وكأنهم مجرد كتل لحم تتنفس، لا أكثر.

تصرفاتها لم تكن طبيعية أيضًا، ردود أفعالها متأخرة، كأنها تزن كل حركة قبل أن تقوم بها، وكأن المشاعر مجرد فكرة بعيدة عن متناولها. كانت تحدّق أحيانًا في الفراغ لساعات، وأحيانًا تتكلم بجمل قصيرة غير مفهومة، تجعل الآخرين يشعرون بعدم الارتياح.

بينما كانت الممرضة تساعدها على النهوض، رتبت غطاء المستشفى عليها بإهمال، ثم قالت بصوت رتيب معتاد:

"المدير يريد مقابلتك."

لكن لولا لم تتحرك، فقط رمشت ببطء، قبل أن تسأل بصوت خافت، خالٍ من أي اهتمام:

"أي مدير؟"

سحبتها الممرضة معها، ممسكة بمعصمها النحيف وكأنها تدرك تمامًا أن لولا لن تتحرك بمحض إرادتها. لم تكن تحب مقابلة الأطباء، ولا المدير تحديدًا، لكن الممرضة لم تكن تملك رفاهية تركها تفعل ما تشاء.

وصلتا إلى مكتبه، فتحت الممرضة الباب دون استئذان، دافعة لولا إلى الداخل بلطف، قبل أن تغلق الباب خلفها وتغادر دون كلمة.

رفع المدير عينيه من وراء مكتبه، متفاجئًا بها للحظة قبل أن ينحني للأمام مبتسمًا ابتسامته المعتادة، تلك التي تبدو ودودة لكنها لا تخلو من شيء آخر... شيء يشبه التسلية.

"لولا، كم يسعدني أن أراكِ، حتى لو كنتِ تأتي إليّ مكرهة." قال بنبرة دافئة، كأنما يحيي ضيفًا عزيزًا.

لكنها لم ترد. لم تجلس حتى، بل بقيت واقفة أمامه، تنظر إليه بلا اهتمام، بلا تعبير، كما لو كانت مجرد شبح عابر.

ابتسم، لم يكن يتوقع ردًا على أي حال. رفع فنجان القهوة في يده، تأمله للحظة كما لو أنه يرى شيئًا أعمق في سائلها الداكن، ثم قال بصوت هادئ وهو يحرّك الملعقة داخلها:

"تعرفين، القهوة تشبه البشر كثيرًا... بعضهم مُرّ، بعضهم ثقيل، بعضهم خفيف حد التفاهة، لكن في النهاية، كلهم يُستهلكون بطريقة أو بأخرى."

توقّف قليلاً، ثم نظر إليها مباشرة وأضاف:

"لكن أنتِ... أنتِ لا تشبهين أيًّا منهم، أليس كذلك؟"

لكن لولا لم تقل شيئًا، فقط رفعت إحدى حاجبيها قليلاً، قبل أن تنطق أخيرًا بصوت بارد:

"هل انتهيت؟"

ضحك المدير بصوت منخفض، وكأن ردة فعلها الباردة لم تفاجئه، بل ربما تسلّته أكثر. وضع فنجان القهوة جانبًا واستند إلى مكتبه، متأملًا لولا كمن يحاول تفكيك لغز معقد.

"دائمًا مستعجلة، دائمًا تتمنين لو لم تكوني هنا. لولا، ألا تملين من هذا الجمود؟ من العيش وكأنكِ مجرد جسد بلا روح؟"

لم تجبه، لم ترمش حتى، فقط ظلت تنظر إليه بنفس البرود القاتل الذي يجعل من يتحدث إليها يشعر وكأنه يقف أمام كيان فارغ، لا بشري.

أطلق تنهيدة متسلية، ثم أضاف وهو يعود إلى فنجانه:

"أنتِ تكرهين الأطباء، ترفضين جلسات العلاج، تتجاهلين كل محاولاتنا لجعلكِ تتكلمي... لكنكِ رغم ذلك، ما زلتِ هنا. لماذا برأيك؟"

هذه المرة، حرّكت لولا شفتيها أخيرًا، نطقت ببطء، بصوت خافت لكنه واضح:

"لأنكم لا تتركونني أرحل."

ضحك مجددًا، هز رأسه وكأنه كان يتوقع الإجابة. أخذ رشفة أخرى من قهوته، ثم مال للأمام قليلاً، نبرته أصبحت أكثر هدوءًا، لكنها لم تفقد ذلك الطابع اللعوب الذي يميزه:

"إذاً، ما رأيكِ بصفقة؟ أن تجيبي عن سؤالي هذه المرة، مقابل أن لا أطلب رؤيتك لفترة."

لم تقل شيئًا، لكنها لم ترفض أيضًا، وهذا وحده كان كافيًا ليدفعه للاستمرار.

"لماذا تكرهين الأطباء إلى هذا الحد؟"

ساد الصمت للحظة، ثم أجابته أخيرًا، بصوت خالٍ من أي انفعال، كأنها تلقي بحقيقة عادية:

"لأنهم يكذبون. يقولون إنهم يساعدون، لكنهم فقط يجمعون الأجزاء المكسورة بطريقة خاطئة."

التعبير الوحيد الذي ظهر على وجه المدير كان لمعة طفيفة في عينيه، وكأنه وجد أخيرًا طرف الخيط الذي كان يبحث عنه.

"أها..." تمتم، ثم ابتسم ببطء. "إجابة مثيرة للاهتمام، كما توقعت منكِ."

رفع فنجانه مجددًا، وكأنه يعلن انتهاء المحادثة. "يمكنكِ الذهاب، لولا."

لكن قبل أن تستدير، أضاف بجملة أخيرة، نبرته هذه المرة غامضة أكثر:

"لكن تذكري... حتى القطع المكسورة، يمكن استخدامها لصنع شيء جديد."

لم تعلّق لولا، فقط استدارت وخرجت، تاركة وراءها صدى كلمات لم تعنِ لها شيئًا... أو ربما عنت أكثر مما أرادت الاعتراف به.

وقبل أن تصل إلى الباب، جاء صوته مجددًا، هادئًا لكنه يحمل نبرة أمر مخفية بين كلماته:

"انتظري، لم أقل إنكِ تستطيعين المغادرة بعد."

توقفت لولا، لكنّها لم تلتفت إليه. وقفت هناك، كتمثال بلا حياة، تنتظر منه أن ينهي حديثه حتى تتمكن من الرحيل.

تنهد المدير، مستندًا إلى مكتبه وهو يراقبها، ثم قال بنبرة أقرب إلى المتعة:

"أحضرت طبيبًا لرؤيتك، إنه صديق مقرب لي."

عند تلك الكلمات، تحرّكت كتفاها بانزعاج واضح، لكنها لم تقل شيئًا.

"أوه، لا تقلقي، إنه ليس مثل الآخرين." تابع بابتسامة هادئة، وكأنّه يقرأ أفكارها. "ذكي، ماهر، ولديه قدرة غريبة على التعامل مع الحالات المستعصية... وأنتِ، يا عزيزتي، مستعصية للغاية."

استدارت إليه أخيرًا، عيناها الباردتان تحملان نفورًا غير مخفي. "لا أريد مقابلة أحد."

ابتسم ابتسامة صغيرة، أخذ رشفة أخرى من قهوته قبل أن يضعها جانبًا، ثم نهض من مكانه ببطء، اقترب منها خطوة حتى أصبح على مسافة قريبة بما يكفي ليهمس بصوته الدافئ:

"هل تعلمين؟ رغم كل هذا البرود، أنتِ مثيرة للاهتمام، لولا."

نظرت إليه بلا تعبير، لكنه تابع، وكأنه يستمتع بتحدي صبرها:

"بشرتكِ باردة، عيناكِ بلا حياة، وكأنّكِ منحوتة من الجليد... لكنني متأكد من أنه يوجد تحت هذا الجليد شيء مختلف، شيء لا يريد أحدٌ رؤيته، ولا حتى أنتِ."

ظلّت تحدّق به دون أن تنطق، لكنّه استطاع ملاحظة ذلك التوتر الطفيف في أصابع يدها، ذلك التشنج الصغير الذي فضح شيئًا ما، مهما كان بسيطًا.

"صديقي سيراكِ على أي حال، سواء أردتِ ذلك أم لا." قال أخيرًا بنبرة هادئة لكنها قاطعة، ثم ابتسم بمكر وأضاف:

"وأنا واثق أنّكِ ستعجبين به."

لكن لولا لم تصدقه للحظة واحدة.

بمجرد أن غادرت مكتبه، لم تذهب لرؤية الطبيب الجديد، ولم تتجه لغرفتها كما هو متوقع. بل بدأت تفعل ما تفعله في كل مرة تُجبر فيها على مواجهة هذا المكان وأطبائه وأسئلتهم الفارغة—الهروب.

مشَت في الممرات الهادئة بخطوات محسوبة، مظهرها البارد كان يخدع الجميع، يمنحها ميزة أن تبدو غير مشبوهة، فقط مريضة أخرى تتجول بلا هدف. لكنها كانت تعرف هدفها جيدًا...

الدم.

كان هاجسًا، هوسًا، إدمانًا خفيًا ينهشها من الداخل، حاجة لا تفهمها لكنها لا تستطيع مقاومتها. كانت تريد رؤيته، تريد لمسه، والأهم... تذوقه.

اختبأت في إحدى الغرف الفارغة، أغلقت الباب خلفها ببطء، ثم أخرجت شيئًا صغيرًا كانت تخفيه في كمها—شفرة حلاقة. لا تعرف متى أو كيف احتفظت بها، لكنها كانت دائمًا تجد طريقة للحصول على واحدة.

نظرت إلى يدها، بشرتها الشاحبة الناعمة كانت صافية، خالية من الجروح القديمة التي التأمت على مضض. مررت الشفرة على طرف إصبعها ببطء، ضاغطة بما يكفي لتمزق الجلد، لتدع قطرة حمراء صغيرة تتكوّن وتكبر، قبل أن تنساب على بشرتها برقة.

تأملتها للحظة، شهقت بصوت خافت وكأنها تتذوق اللذة قبل أن تصل إليها. ثم، ببطء، رفعت يدها إلى شفتيها...

أول قطرة...

لسانها لامس الدم الدافئ، المذاق المعدني الغني انتشر في فمها، مزيج من المرارة والحلاوة، ثقل غريب يملأ حواسها. لم يكن الأمر مجرد طعم، بل كان إحساسًا، شعورًا يوقظ شيئًا عميقًا داخلها، كأن حياتها بأكملها تتمحور حول تلك اللحظة العابرة.

"دافئ... ثقيل... يشبه الرغبة، يشبه الألم، يشبه الراحة في آنٍ واحد."

أغلقت عينيها للحظة، جسدها ارتجف بخفة، ليس خوفًا، بل لذة... شبق خفي، حاجة مشبعة مؤقتًا.

لكنها لم تكتفِ، لم يكن قطرة واحدة تكفيها. كانت تريد المزيد، أن ترى اللون الأحمر أكثر، أن تشعر بمزيد من الدفء يسيل على بشرتها، أن تتذوقه حتى يختفي مذاقه الأخير تمامًا.

لكن قبل أن تتمكن من ذلك، فُتح الباب فجأة—

شهقت، جمدت في مكانها، عيناها المتسعة ما زالت تحمل أثر النشوة المريضة، ولسانها لا يزال يلامس بقعة الدم الأخيرة على شفتيها.

وفي عتبة الباب، وقف الطبيب الجديد، عيناه تراقبانها بصمت، بتمعّن، وكأنّه رأى للتو مشهدًا لم يكن يجب أن يراه أحد.

حدّقت لولا بالطبيب الجديد دون أن تتحرك، عيناها الزجاجيتان لا تعكسان أي شعور بالندم أو الحرج، بل فقط... الفراغ.

أما هو، فقد بقي في مكانه للحظة، عينيه الحادتين تمسحان المشهد أمامه. لم يكن هناك اشمئزاز، ولا حتى صدمة. فقط اهتمام هادئ، مشوب بحذرٍ غامض.

أغلق الباب خلفه بهدوء، وكأنه يمنع أي شخص آخر من رؤية ما رآه. ثم خطا خطوة للأمام، صوته منخفض لكنه ثابت:

"إذاً... هذه هي طريقتكِ في التعامل مع الأمور؟"

لم ترد، فقط أبقت إصبعها على شفتيها، كأنها لا تزال تتذوق آخر بقايا الدم.

اقترب أكثر، وقف أمامها تمامًا، لكن بدلًا من أن ينتزع الشفرة من يدها كما كان يفعل أي طبيب آخر، جلس على الطاولة بجوارها، راقب يدها النازفة بنظرة تحليلية.

"الدم مثير للاهتمام، أليس كذلك؟"

كلماته جعلتها ترمش أخيرًا، نظرتها ثبتت عليه للحظة، وكأنها تحاول فهم ما يقصده. الجميع كان يوبّخها، يلومها، يعاملها ككائن مريض يجب إصلاحه... لكنه لم يفعل.

رفع يده ببطء، مرّر إصبعه على جرحها برفق، ثم رفعه أمام عينيه، متأملاً القطرة التي التصقت به. ابتسم ابتسامة صغيرة، ليست ساخرة ولا مشفقة... بل أقرب إلى فضولٍ خالص.

"أليس طعمه غريبًا؟" قال بصوت شبه هامس. "ليس كما يصفه الناس… إنه ليس مجرد حديدي أو مر. إنه أعمق من ذلك. إنه… يشبه شيئًا مألوفًا، لكنه غامض في نفس الوقت، أليس كذلك؟"

تسارعت أنفاسها قليلًا دون أن تدرك، ليس بسبب كلماته، بل بسبب شيء آخر… لأول مرة، شخص لم ينظر إليها باشمئزاز.

لكنها لم تجبه. لم تكن تعرف كيف ترد على شخص لا يتعامل معها كحالة مرضية، بل كإنسان... أو ربما كشيء أكثر تعقيدًا.

ابتسم الطبيب بهدوء، ثم مال برأسه قليلًا قبل أن يقول جملة جعلت كل شيء يتوقف للحظة:

"لولا، هل تساءلتِ يومًا لماذا لا يخيفني ما تفعلينه؟"

رفعت لولا عينيها إليه، نظرتها لا تزال متجمدة بلا تعبير واضح، لكن في داخلها، كانت تدرس كل تفاصيله بنفس الفضول الذي أبداه تجاهها.

كان طويل القامة، لكن ليس ضخمًا. بنيته قوية لكنها ليست مفرطة، وشعره قصير قليلًا، يكشف عن ملامح وجهه الحادة التي بدت وكأنها خُلقت لتنقل الجدية. لكن أكثر ما أثار انتباهها كان ابتسامته…

ساحرة.

لكنها لم تكن ابتسامة سطحية، لم تكن مجرد قناع زائف مثل ابتسامات الأطباء الآخرين. بل كانت هادئة، واثقة، وكأنها جزء طبيعي من وجهه.

رفع يده إلى ذقنه ومسح على لحيته الخفيفة قبل أن يقول بصوت منخفض لكنه عميق:

"اسمي علي."

توقفت لولا للحظة، كأنها كانت تتوقع اسماً آخر، أو ربما لم تهتم بالسؤال عنه من الأساس.

"طبيب، مثلكِ تمامًا، أو هكذا يُفترض أن أكون." أضاف بصوت يحمل نبرة خفيفة من الدعابة، قبل أن يميل قليلًا للأمام، يدرس ملامحها بنفس الطريقة التي كانت تدرسه بها.

"جئت إلى هنا خصيصًا من أجل حالتكِ، بناءً على طلب قديم من صديق أيامي في الجامعة... جاك."

لمعت عيناها للحظة عند ذكر اسم المدير، لكن ليس بسبب اهتمامها به، بل لأنها أدركت شيئًا مهمًا—هذا الرجل لم يكن هنا صدفة.

عادت للنظر إلى يده التي لا تزال تحمل بقعة صغيرة من دمها، لكنه لم يكن متوترًا، لم يكن يشمئز، بل بدا كأنه يدرس تلك القطرة وكأنها تحمل لغزًا عليه حله.

ثم ابتسم مجددًا، تلك الابتسامة التي لم تكن تعرف لماذا تثير فيها إحساسًا خفيفًا بالانزعاج… أو الفضول.

"إذاً، لولا..." قال بصوته العميق، ناظرًا إليها مباشرة، نبرته لم تكن متعالية ولا شفقة، بل فقط... ثقة خالصة. "ما رأيكِ أن نلعب لعبة؟"

رفعت لولا حاجبًا بالكاد، لم يكن تعبيرًا واضحًا عن الفضول، لكنه كان أقرب شيء قد يُرى على وجهها كإشارة اهتمام. "لعبة؟" ردّت بصوت بارد، شبه متوجس.

ابتسم علي بنفس الهدوء، ثم مسح بقعة الدم الصغيرة على طرف إصبعه بإبهامه، كأنه يتخلص منها دون اكتراث، قبل أن يقول:

"نعم، لعبة." استند إلى الطاولة بذراعيه، متكئًا نحوها قليلًا، لكن دون أن يغزو مساحتها بالكامل. "إن خسرتِ، عليكِ أن تجلسي معي لجلسة واحدة، لا أكثر."

تضيّقت عيناها قليلًا، حدقت فيه وكأنها تحاول كشف نواياه. كل الأطباء من قبل حاولوا إجبارها، تهديدها، حتى تخديرها أحيانًا، لكن لم يجرؤ أحد على تحويل الأمر إلى لعبة.

"وإن ربحت؟" سألت بنبرة لا تخلو من الحذر.

ضحك علي بصوت منخفض، لم تكن ضحكة ساخرة، بل أشبه بشخص يجد متعة خفية في الأمر.

"إن ربحتِ، لن أزعجكِ مجددًا، وسأخبر جاك أنني فشلتُ في التعامل معكِ، وسأرحل."

رغم وجهها الذي ظل بلا تعبير، إلا أن عينيها لامعتا قليلاً. عرض مغرٍ.

لكنها لم تكن ساذجة.

"وما هي اللعبة؟" سألت أخيرًا.

رفع يده، وأشار إلى الجرح الصغير في إصبعها الذي بالكاد توقف عن النزيف. "اللعبة بسيطة..." قال بنبرة سلسة. "أريدكِ أن تخبريني، بصراحة تامة، لماذا تفعلين هذا؟"

ظلّ الصمت للحظة.

لم ترمش حتى، ولم يتغير أي شيء في وجهها. لكنها لم تتوقع هذا السؤال تحديدًا.

"هذا ليس سؤالًا." قالت ببرود، محاولة التهرب.

"بل هو كذلك." قاطعها بابتسامة هادئة، عيناه لم تفارقاها. "إن أجبتِ، تخسرين. وإن تهربتِ، أخسر أنا."

ظلّت تحدق فيه، تفكر.

كان مختلفًا.

لم يكن يتحدث معها كنكرة، ولم يكن يحاول تحليلها كحالة مرضية. كان يتعامل معها وكأنها إنسانة عادية، وكأن ما تفعله ليس انحرافًا بل مجرد... لغز عليه حله.

وهذا ما جعلها تتردد للحظة.

ثم، أخيرًا، نطقت بجملة واحدة، بصوت خافت لكنه واضح:

"لأنني أريد أن أشعر أنني حية."

ابتسامة علي اتسعت قليلًا، لكن ليس بسخرية، بل كمن توقّع هذه الإجابة تمامًا.

"خسرتِ." قال بهدوء.

لكن لولا لم تشعر بالهزيمة.

تأملت لولا ملامحه للحظة، قبل أن تحوّل نظرها بعيدًا، وكأنها تحاول استيعاب الأمر. لم تكن معتادة على أن يكلمها أحد بهذه الطريقة، خاصة طبيب.

أما علي، فبقي محافظًا على هدوئه المعتاد، قبل أن يقول بنبرة خفيفة لكن واثقة:

"نسيت أن أخبركِ شيئًا."

رفعت عينيها إليه من جديد، فابتسم ابتسامة خافتة، ومرر يده في لحيته القصيرة كأنه يفكر في كلماته التالية بعناية.

"أنا عربي، وكما تعلمين... لدينا طرقنا الخاصة في التعامل مع الأمور."

رفعت حاجبًا ببطء، لكن لم تعلق، فتابع بصوت هادئ لكنه جاد:

"ولكن قبل أن تحكمي علي كطبيب آخر جاء ليعالجكِ، أريد أن أوضح شيئًا بسيطًا... لا أريد أن أكون طبيبكِ."

ضيّقت عينيها قليلاً، لم تكن تتوقع هذه الجملة.

"إذن؟" سألت، بصوت شبه ساخر، لكنه بقي فارغًا من أي مشاعر حقيقية.

ابتسم مجددًا، وأمال رأسه قليلًا وهو ينظر إليها مباشرة، كأنه يريد أن يتأكد أنها تسمع كلماته جيدًا.

"أريد أن أكون صديقًا."

الهواء في الغرفة بدا وكأنه تجمّد للحظة.

صديق؟ الكلمة نفسها كانت غريبة على لسان طبيب. لم تسمعها من أحد في هذا المكان. لم يعرض أحد عليها أي شيء غير العلاج، الجلسات، العقاقير... لكن صداقة؟

أحسّت وكأنه يحاول اللعب بشيء لا يجب اللعب به.

لكن بدل أن ترد، بقيت تنظر إليه بصمت، متوقعة منه أن يفسر كلامه.

لكنه لم يفعل. فقط ظل يبتسم بهدوء، وكأنه يريدها أن تفكر في كلامه وحدها، أن تصل إلى استنتاجها بنفسها.

ثم، بعد لحظات طويلة من الصمت، وقف وأعاد يديه إلى جيوبه، قبل أن يقول بصوت هادئ:

"لدي شعور أننا سنقضي وقتًا ممتعًا معًا، لولا."

ثم استدار، متجهًا نحو الباب، وكأن الأمر لا يستحق المزيد من الشرح.

أما لولا، فبقيت تحدق به حتى اختفى من أمامها، غير متأكدة مما إذا كان هذا الرجل مصدر تهديد... أم شيء آخر تمامًا.

وقفت لولا في منتصف الغرفة، تقلب كفيها بحثًا عن شيء كان من المفترض أن يكون هناك. كانت متأكدة أنها أحضرت الشفرة معها، بل إنها استخدمتها منذ لحظات... فأين اختفت؟

رفعت رأسها ببطء، نظراتها اتجهت إلى حيث كان يقف علي قبل أن يغادر. أدركت حينها الحقيقة—

لقد أخذها.

انتزعها منها أثناء حديثهما دون أن تلاحظ، بحركة سلسة لم تشعر بها حتى. لم تكن تعرف إن كان ذلك بسبب مهارته أم بسبب شرودها في كلماته.

زمّت شفتيها بضيق، لكنها لم تشعر بالغضب، فقط بشيء يشبه الانزعاج الغامض... كأنها كانت فأرًا وقع في فخ دون أن يدري متى وأين.

خرجت من الغرفة، فوجدت أمامها الممرضة المزعجة.

"أوه، ها أنتِ أخيرًا!" قالت الممرضة بنبرة متذمرة، يديها على خصرها، وعينيها تضيقان بوضوح. "لماذا تهربين دائمًا؟ ألا يمكنكِ البقاء في مكانك ولو لساعة واحدة؟!"

لم ترد لولا، فقط حدقت بها ببرود، كأنها غير معنية بالكلمات التي تلقيها عليها.

الممرضة كانت واحدة من الأشخاص الذين تكرههم بشدة. كانت مزعجة، متحكمة، دائمًا ما تصدر الأوامر وكأنها تمتلك الحق في ذلك. وكانت تراقبها كظلٍ مزعج لا يختفي.

"تعالي، إلى الحديقة." قالت الممرضة وهي تمسك ذراعها برفق لكن بحزم، تسحبها دون أن تعطيها فرصة للاعتراض. "أنتِ بحاجة إلى هواء نقي، بدلًا من التسلل والاختباء مثل الفئران."

لم تقاوم لولا، لكنها لم تساعدها أيضًا. مشت بصمت حتى وصلا إلى الحديقة، حيث يجمعون المرضى تحت الشمس، وكأن الهواء الطلق قد يشفي شيئًا لا علاج له.

بمجرد وصولها، جلست على العشب، لم تهتم بنظافته، لم تهتم بشيء. فقط أخذت تنتف العشب بأصابعها، ببطء، كأنها تفرغ شيئًا عالقًا في صدرها.

أما الممرضة، فوقفت على بعد خطوات، تراقبها بذراعيها المتشابكتين، وجهها مليء بالتذمر الواضح.

رفعت لولا عينيها إليها، تأملتها للحظة، ثم قالت بصوت هادئ لكنه واضح:

"أنا أكرهكِ."

رفعت الممرضة حاجبها، وكأنها لم تتفاجأ تمامًا لكنها لم تتوقع أن تسمعها بهذه الصراحة.

"وأنتِ شريرة." تابعت لولا بنفس النبرة الهادئة، وكأنها تصرح بحقيقة بديهية. "في يومٍ ما، ستنالين عقابكِ. أنتِ لا تستحقين أن تكوني ممرضة."

الممرضة زفرت بضيق، رمقتها بنظرة مختلطة بين السخرية والملل. "يا إلهي، كم أنتِ درامية..." قالت وهي تهز رأسها. "فقط اجلسي هناك، ولا تسببي لي المشاكل."

لكن لولا لم تهتم.

كل ما فعلته هو أنها تابعت نتف العشب، بينما ابتسامة صغيرة، شاحبة، تشكلت على زاوية شفتيها.

كانت لولا لا تزال جالسة على العشب، تنتف الأوراق الصغيرة بين أصابعها ببطء، عندما وقعت عيناها على رجل يجلس على بعد أمتار قليلة منها.

كان شابًا، ربما في أواخر العشرينيات، شعره مجعد وفوضوي، وجهه شاحب، وعيناه مليئتان بكآبة ثقيلة كأنها صخرة تسحق روحه.

كان يتحدث وحده، بصوت مهتز، كأنما يستعيد ذكرى لا يستطيع الهروب منها.

"أنا بحاجة لهذا العمل... لقد أعطيتكم كل شيء، لا يمكنكم فقط... طردي هكذا..."

صمته للحظة، ثم تراجعت زاوية فمه كأنها ترتجف، ورفع يده إلى رأسه، يشد شعره بانفعال.

"من فضلكِ، لا تأخذي الأولاد، لا يمكنني العيش بدونهم... سأجد عملًا آخر، أقسم لكِ، فقط لا تذهبي..."

لكن صوته أصبح أعلى، وأكثر اهتزازًا، كأن عقله لم يعد قادرًا على التمييز بين الواقع والذاكرة.

"لا تتركيني وحدي... لا أريد أن أبقى وحدي...!"

ثم فجأة، ضرب رأسه بكلتا يديه، وبدأ يصرخ. "لا!!!"

كانت دموعه تتساقط الآن، وجهه مشوه بالمعاناة، حتى هرعت إليه ممرضة أخرى وأمسكت بذراعيه.

"هيا، يكفي هذا، سنأخذك إلى الداخل."

كان لا يزال يئن، يحاول المقاومة، لكن جسده كان ضعيفًا، وانتهى به الأمر يُسحب معها حتى اختفى خلف باب المبنى.

بقيت لولا تحدق في المكان الذي كان يجلس فيه، لا تعبير على وجهها، كأن المشهد لم يكن أكثر من حدث عابر في يوم ممل.

"شاب بائس..."

التفتت إلى الممرضة الواقفة بقربها، كانت تحدق في المكان نفسه وهي تهز رأسها بأسف.

"سيصبح مثلكِ إن استمر في وجودكِ هنا."

قالت ذلك وهي تنظر إلى لولا بنظرة مليئة بالضيق، لكنها لم تجد أي رد فعل منها.

لم تتوتر، لم تغضب، لم تتأثر حتى.

فقط رفعت يدها، وألقت بقطعة العشب الصغيرة التي كانت تمسكها، ثم نظرت إلى الممرضة ببرود تام.

"هذا لا يهمني." قالت بهدوء، ثم عادت لانتزاع المزيد من العشب، وكأنها لم تسمع شيئًا على الإطلاق.

في ركن من أركان المستشفى، اقتربت لولا من إحدى الممرضات، نظراتها لا تحمل أي توسل أو رجاء، بل كانت مجرد طلب مباشر.

"أريد ورقة وقلم."

الممرضة، التي كانت مشغولة بترتيب بعض الملفات، رفعت رأسها ونظرت إليها بريبة. "لماذا؟"

"لأرسم." قالت لولا ببساطة، كأنها تطلب شيئًا بديهيًا.

ترددت الممرضة للحظة، ثم زفرت قائلة: "حسنًا، لكن بشرط أن أراقبكِ."

أومأت لولا بلا مبالاة. "نعم، نعم... فقط أعطِني ما أريد."

ناولت الممرضة الورقة والقلم، وعيناها لا تفارقان لولا، لكن الأخيرة لم تهتم، فقط أخذت ما طلبت وجلست بعيدًا، مستعدة للغرق في عالمها.

 

في مكتب جاك...

كان الجو أكثر استرخاءً، مليئًا برائحة القهوة التي وضعها جاك أمامه دون أن يشربها بعد.

"لا أصدق أنك هنا بالفعل، يا رجل." قال جاك بابتسامة وهو يتكئ للخلف، ينظر إلى علي بنظرة تحمل مزيجًا من الحنين والإعجاب. "ما زلتَ كما أنت... تملك تلك الهالة التي تجعل الناس يستمعون إليك دون أن يدركوا السبب."

ضحك علي بصوت منخفض، وهز رأسه. "وأنت ما زلت كما أنت، كثير الكلام."

رفع جاك حاجبه بمكر، ثم تنهد وهو ينظر إلى فنجانه أخيرًا. "أتعلم؟ عندما أصبحتُ مديرًا هنا، كنت أعتقد أن الأمر سيكون مجرد وظيفة أخرى... لكن في بعض الأيام، أشعر أنني مجرد حارس في قفص مليء بالأرواح الضائعة."

نظر إليه علي بتمعن، قبل أن يقول بنبرة أكثر جدية: "لكن ليس كلهم ضائعين، أليس كذلك؟ بعضهم يمكن إنقاذه."

ضحك جاك بخفة، ثم قال: "أتمنى أن تشارك هذا التفاؤل مع مرضاي... وأنت، كيف كانت تجربتك القصيرة مع فتاتي الصغيرة لولا؟"

ارتشف علي قهوته ببطء، كأنه يأخذ وقته في الرد.

"مثيرة للاهتمام." قال أخيرًا. "ليست كما تخيلتها تمامًا، لكنها ليست غامضة كما تبدو لكم جميعًا."

"أوه؟" رفع جاك حاجبه بفضول. "وهل استطعت فك شفرتها بهذه السرعة؟"

ابتسم علي، لكن ابتسامته كانت غامضة، كأنه يخفي شيئًا. "لدي شعور أنها ليست بحاجة إلى طبيب بقدر حاجتها إلى شيء آخر."

"وما هو؟"

تظاهر علي بالتفكير، ثم قال ببساطة: "ربما مجرد شخص لا يعاملها كعطب يجب إصلاحه."

جاك تأمله للحظة، ثم ابتسم. "إذن لن تكون طبيبها فقط... بل شيء آخر أيضاً، أليس كذلك؟"

لم يرد علي فورًا، فقط نظر إلى فنجان قهوته، وكأن لديه خطة لم يفصح عنها بعد.

نظر جاك إلى علي بتمعن قبل أن يقول بصوت هادئ لكنه يحمل في طياته نوعًا من الافتتان:

"لولا... إنها حالة مثيرة للاهتمام، أليس كذلك؟"

رفع علي حاجبه باستغراب، لم يكن هذا الوصف الذي توقعه.

"معجب بها؟" سأل، نبرة صوته لم تكن اتهامًا، بل استفسارًا حذرًا.

ضحك جاك، ثم رفع يديه كأنه يدفع التهمة عنه. "لا تفهمني خطأ، أعني... جانبها المريض. إنه مؤذٍ، نعم، لكنه أيضًا جميل بطريقة غريبة."

لم يعلق علي فورًا، فقط حدق فيه للحظات، ثم قال بنبرة مشككة: "جميل؟"

ضحك جاك مرة أخرى، كأنه يريد تلطيف الأجواء. "أنا فقط أمزح، لا تأخذ كلماتي بجدية. تذكر، أنا مدير مستشفى للأمراض النفسية... أحيانًا يجب أن أقول بعض النكات للحفاظ على عقلي سليمًا."

لكن علي لم يكن متأكدًا إن كان جاك يمزح فعلًا. ومع ذلك، لم يضغط أكثر، فقط أومأ برأسه وقال: "سأبدأ مع لولا غدًا."

"حاول جاهدًا،" قال جاك وهو يتكئ على مكتبه. "لأنها لم تترك طبيبًا إلا ونفرت منه وكرهته... ستكون محظوظًا إن لم تحاول خنقك في يومك الأول."

ابتسم علي ابتسامة جانبية. "حسنًا، هذا يجعل الأمر أكثر تشويقًا."

ثم عاد إلى نبرته الجادة وسأل: "أخبرني عنها، أريد أن أفهمها قبل أن أبدأ."

مد جاك يده إلى أحد الأدراج وسحب ملفًا سميكًا، وضعه أمام علي وهو يربت عليه بإصبعه. "هنا كل شيء عنها."

فتح علي الملف، وعيناه تتنقلان بين السطور، بينما بدأ جاك يتحدث بنبرة هادئة كأنه يقص قصة مأساوية:

"لولا... فتاة هزيلة الجسد، يداها مليئتان بالندوب. آثار الجروح القديمة تحكي قصصًا عن معاناتها أكثر مما يمكنها أن تفعل."

"تحب الدم، ليس مجرد هوس عابر، بل افتتان مرضي. أحيانًا تجرح نفسها فقط لترى نزفه... وأحيانًا تذوقه."

رفع علي عينيه عن الملف، ناظرًا إلى جاك بتعبير غامض. لكن جاك أكمل دون أن ينتظر ردًا:

"عندما كانت في الثالثة عشرة من عمرها، أحضروها إلينا... كان ذلك بعد الحادثة التي دمرت حياتها."

توقف لحظة، وكأن كلماته تحمل وزنًا ثقيلًا، ثم قال ببطء:

"والدها ذبح أمها أمامها."

لم يكن علي شخصًا يتأثر بسهولة، لكنه شعر ببرودة خفيفة تسري في جسده وهو يستمع.

"قال لها حينها ببرود تام: ‘أمك ارتكبت خطيئة... الشيطان يريد دمها ليطهرها.’"

رفع جاك فنجانه، نظر إلى سطح القهوة المظلم، ثم أكمل:

"كان والدها تابعًا لطائفة متطرفة، أقنعوه بأن الدم تطهير من الشر، وأنه لا خلاص إلا بالتضحية."

أغلق علي الملف بهدوء، كأنه لم يكن بحاجة لقراءة المزيد.

"تم اعتقاله، بالطبع،" قال جاك وهو يتكئ للخلف. "لكن الضرر وقع بالفعل. الطفلة التي جلبوها لنا لم تكن فتاة عادية. كانت تحمل بعضًا من أفكار الطائفة... وكانت دموية."

"كانت تؤذي نفسها، وأحيانًا غيرها. أي شخص تراه ‘شريرًا’ حسب معاييرها... كانت تهمس له بصوت بارد: ‘أرى دماء... يجب أن أطهرك.’"

أعاد علي نظره إلى الملف المغلق أمامه، ثم قال بصوت منخفض:

"إنها ليست حالة عادية."

ابتسم جاك ابتسامة خفيفة، لكنه لم يقل شيئًا. فقط راقب صديقه وهو يستوعب القصة، يتساءل ربما: هل سيتمكن من إنقاذ فتاة لم تتعلم سوى لغة الدم؟

ظل علي صامتًا للحظات، عاقدًا حاجبيه وهو يفكر في كل ما سمعه. ثم سأل بصوت هادئ، لكن عميق التأمل:

"هل قتلت أحدهم؟ أو حاولت؟"

هز جاك رأسه ببطء، احتسى رشفة صغيرة من قهوته قبل أن يجيب:

"لا، لم تصل إلى ذلك الحد. كانت تؤذي نفسها فقط."

"بسبب فكرة التطهير؟"

رفع جاك حاجبه، وكأنه يتوقع هذا السؤال، ثم قال:

"لا، الأمر أعمق من ذلك. أحد الأطباء الذين حاولوا علاجها في الماضي قال إن حالتها ‘عكسية’... بدلًا من أن تخاف الدم كما كان متوقعًا بعد الصدمة، أصبحت مهووسة به."

أغمض علي عينيه للحظة كأنه يحلل الفكرة، ثم قال ببطء:

"شبق دم."

أومأ جاك. "تمامًا... لكنها لا تطلق فكرة ‘التطهير’ على أي شخص تراه. لديها فئة معينة من الناس تعتبرهم ‘نجسين’."

"ومن هم؟"

ضحك جاك بخفة، لكنها لم تكن ضحكة مرحة، بل كانت ساخرة بعض الشيء. "إحداهن ممرضتها المسؤولة عنها، ليونا. تكرهها كرهًا شديدًا."

رفع علي حاجبه، متسائلًا: "لماذا لم تستبدلوها بممرضة أخرى؟"

بدت إجابة جاك واضحة بالنسبة له، لكنه قالها على أي حال:

"لأن ليونا الوحيدة التي تستطيع تحملها."

نظر علي إليه بتمعن، فأضاف جاك بابتسامة خفيفة:

"الممرضات الأخريات يهربن منها، بعضهن خوفًا من أن تهاجمهن... وبعضهن خوفًا من أن تذبحهن أثناء نومهن."

تأمل علي هذا الكلام للحظة، ثم ابتسم ابتسامة جانبية وقال:

"حسنًا... يبدو أنني سأخوض تجربة مثيرة بالفعل."

ابتسم جاك وهو يراقب تعابير علي، ثم قال بنبرة تحمل مزيجًا من التحذير والإعجاب:

"أحب حماسك، لكن لا تظن أن الأمر سيكون سهلًا."

رفع علي حاجبه، فأكمل جاك وهو يشبك أصابعه أمامه:

"لولا ليست مجرد فتاة تعاني من اضطراب نفسي عادي. إنها واحدة من أعقد الحالات هنا... بل وأكثرها خطورة."

لم يبدُ على علي أي تردد، فقط أومأ برأسه وقال ببساطة: "سنرى."

ضحك جاك بخفة، ثم نهض من مكانه ومد يده لمصافحته:

"على أي حال، شكرًا على زيارتك، وسعيد بوجودك هنا."

صافحه علي بإحكام، ثم غادر المكتب دون أن يضيف شيئًا.

 

في تلك الأثناء...

كانت لولا بالفعل منهمكة في الرسم، عيناها نصف مغمضتين، وملامحها تبدو خاوية كعادتها.

في البداية، كانت خطوطها عشوائية، لكن شيئًا فشيئًا بدأت تتضح ملامح رسمتها. كانت صورة غير مكتملة... ظلال وأشكال مبهمة، لكن وسط كل ذلك، كانت هناك بقع داكنة، أشبه بقطرات متناثرة من الحبر الأحمر.

كانت الممرضة تراقبها بحذر، لكن لحظة من الانشغال كانت كافية للولا.

ببطء، وبحركة محسوبة، أمسكت الورقة بزاوية حادة وسحبتها على جلدها، تاركة خلفها خطًا رفيعًا من اللون القرمزي.

راقبت الدم وهو يتجمع ببطء، ثم انحنت قليلًا ولعقت الجرح بخفة.

طعم معدني... دافئ... نحاسي... مريح.

لم تكن تعرف كيف تصفه بالضبط، لكنه كان يثير شيئًا بداخلها، شعورًا لا تستطيع تفسيره.

لكنها لم تستمتع طويلًا. رمت الورقة والقلم بعيدًا بسرعة، ونهضت على قدميها. يجب أن تهرب قبل أن تلاحظ الممرضة ما فعلته.

خرجت من الغرفة بخطوات ثابتة، كأنها لم تفعل شيئًا. ملامحها بقيت كما هي... جامدة، باردة، لكنها في داخلها شعرت بنبض خافت من الرضا.

بينما كانت لولا تمشي في الرواق، لاحظت علي وهو يخرج من مكتب المدير. عيناها الجامدتان مرتا عليه للحظة، لكن دون أي اهتمام يُذكر.

تابعت سيرها بلا هدف، حتى وقعت عيناها على ليونا، التي كانت تتجول في المكان وهي تتذمر بوضوح، تبحث عنها.

بمجرد أن رأتها، تسارعت خطواتها نحوها وأمسكت ذراعها بقوة، ثم قالت بصوت حاد، مليء بالإرهاق:

"لولا! لقد سئمت منك! أقسم أنني لو اضطررت لمطاردتك مرة أخرى، سأحبسك في غرفتك!"

نظرت إليها لولا ببرود، وكأن كلماتها لا تصل إليها، ثم مالت برأسها قليلًا وقالت بنبرة هادئة، لكن مستفزة:

"أتعلمين، ليونا؟ أعتقد أن شخصيتك سبب عنوستك."

اتسعت عينا ليونا، وظهر الغضب في ملامحها فورًا، لكنها قاومت رغبتها في الصراخ.

أما لولا، فتابعت بنفس البرود، كأنها تلقي ملاحظة عادية:

"أنتِ ممرضة بائسة... ربما لو كنتِ أقل تذمرًا، لما كنتِ هنا تعتنين بمجموعة من المجانين، بل كنتِ الآن في منزلك مع رجل وطفل صغير يبكي ليلاً."

قبضت ليونا يدها بشدة، أظافرها تكاد تغرس في راحة يدها. أخذت نفسًا عميقًا، تحاول ضبط أعصابها، لأنها تعلم جيدًا أن لحظة تهور واحدة قد تفسد حياتها المهنية بالكامل.

ثم، بصوت هادئ، لكنه ممتلئ بالغضب المكبوت، قالت:

"وقت الدواء والطعام، لولا. لا تجعلي الأمر أكثر صعوبة مما هو عليه."

نظرت لولا إلى ليونا بعينيها الباردتين، ثم قالت بنبرة وكأنها تقدم اقتراحًا عاديًا تمامًا:

"مارأيكِ أن أطهركِ؟ ربما بعد ذلك تتزوجين وتصبحين امرأة أفضل."

كان وقع كلماتها كصفعة، جعلت ليونا تشعر بتيار من الغضب يجتاحها.

"هذه الفتاة..."

ضغطت على أسنانها، تحاول أن لا تفقد أعصابها، ثم أخبرت نفسها بصوت داخلي صارم:

"إنها مجرد فتاة مريضة، مجرد مريضة نفسية... لا تعي ما تقوله... ربما..."

لكن جزءًا آخر منها لم يصدق ذلك تمامًا.

أمسكت ذراع لولا وسحبتها معها بحدة وهي تقول بصوت حاد لكنه منخفض:

"كفى هراءً، لولا. تعالي، حان وقت الإفطار ودوائك."

لم تقاوم لولا، فقط تركت نفسها تُقاد كما لو أن الأمر لا يعنيها، بينما على شفتيها ظلت ابتسامة باهتة، غير واضحة المعالم.

أخذت ليونا نفسًا عميقًا، تحاول ضبط أعصابها، ثم سحبت لولا نحو غرفة الطعام حيث يُقدَّم الإفطار للمرضى. عند وصولهما، ناولتها صينية الطعام، ثم أمسكت كوبًا صغيرًا يحتوي على قرص دواء أبيض صغير، ووضعته أمامها.

"تناولي دواءك، لولا."

نظرت لولا إلى الكوب ببرود، ثم سألت بصوت رتيب:

"ما اسمه اليوم؟"

أجابت ليونا وهي تعقد ذراعيها:

"Olanzapine، خمسة مليغرامات. أنتِ بحاجة إليه."

أولانزابين (Olanzapine) – مضاد للذهان، يستخدم لعلاج الاضطرابات النفسية مثل الفصام واضطراب ثنائي القطب.

رفعت لولا القرص بين أصابعها، تأملته للحظات، ثم رمقَت ليونا بنظرة خالية من المشاعر قبل أن تضعه في فمها، تشرب جرعة ماء صغيرة معه. لكنها لم تبتلع فورًا، فقط أبقت السائل في فمها للحظات قبل أن تبتلع ببطء شديد.

راقبتها ليونا بعينين ضيقتين، متأكدة من أنها تخطط لشيء ما، لكنها لم تملك دليلًا... بعد.

بعد أن أنهت لولا إفطارها ودواءها، عادت إلى غرفتها بخطوات هادئة. ما إن فتحت الباب حتى وقعت عيناها على شريكتها في الغرفة، العجوز التي تجلس على سريرها، تهدهد وسادة صغيرة بين يديها كما لو كانت طفلًا رضيعًا.

كانت تلك العجوز تُدعى مارثا.

امرأة مسنة، تجاعيد وجهها تحكي عن عمرها الطويل، لكن عينيها الشاردتين تحكيان قصة أخرى... قصة صدمة لم تبرأ منها قط.

مارثا لم تكن مجنونة دائمًا. في الحقيقة، لم يكن يفترض بها أن تكون هنا، لكنها أصبحت كذلك بعدما رماها ولداها في هذا المستشفى، تخلصًا منها.

كانت صدمتها قاسية... حطمت عقلها تمامًا.

منذ ذلك الحين، لم تعد تدرك أن ولديها قد كبرا وابتعدا عنها. في عقلها، لا يزالان طفلين صغيرين بحاجة إلى رعايتها.

كل يوم، كانت تهذي باسميهما، تغني لهما، تهمس للوسادة كما لو أنها طفلها، تربت عليها بحنان، تطلب منها أن تكف عن البكاء، تعدها بأن الطعام جاهز، وأنه حان وقت النوم.

لولا لم تكن تهتم بها كثيرًا.

كانت فقط تراقبها بصمت، أحيانًا تتساءل في عقلها:

"كيف يمكن لشخص أن يصبح هكذا؟"

لكنها لم تسألها أبدًا، ولم تحاول التحدث معها.

بالنسبة للولا، مارثا كانت مجرد ظل آخر من ظلال هذا المكان، مجرد دليل آخر على أن العالم لا يحتاج سوى لحظة واحدة كي يسلب منك كل شيء... حتى عقلك.

مختارات

تنزيل على الفور

novel.download.tips
تنزيل على الفور

novel.bonus

novel.bonus.content

novel.bonus.receive
NovelToon
فتح الباب إلى عالم آخر
لمزيد من التشغيل واللعب ، يرجى تنزيل تطبيق MangaToon