..."سأعيش في هذه المزرعة!"...
...كانت هيزل تتوق لذلك بشدة. لم يستطع كارل تحمُّل رؤيتها بهذا الحال، فتدخل بوجه مرتبك للغاية....
..."هذه الفتاة الصغيرة يجب أن تعمل في الزراعة. لديها موهبة فطرية في ذلك."...
...نظر البارون إليه وكأنه يسمع كلامًا لا معنى له، ثم هز رأسه وقال بحزم:...
..."هذه الفتاة هي الوريثة الوحيدة لعائلة بارونية مايفيلد."...
...في تلك اللحظة، أدركت هيزل أن كل شيء قد انتهى. ...
...كان عليها أن تغادر هذه المزرعة الجميلة، وكان ذلك أكثر من أن تتحمله فتاة في الثامنة من عمرها. شعرت وكأن الشمس اختفت إلى الأبد، وغرق العالم كله في الظلام....
...استدارت هيزل بخطوات ثقيلة ونظرت إلى الوراء....
...كانت بلمونت بعيدة جدًا. ربما هذه هي المرة الأخيرة التي تراها فيها....
..."عمي كارل، السيدة مارثا، إميلي، بيل، نويل... وداعًا جميعًا."...
...لكنها لم تبكِ. على الرغم من أنها لم تقضِ في المزرعة سوى نصف عام، إلا أن قلبها كان قد أصبح جزءًا من حياة الريف....
...انحنت برشاقة وألقت تحية الوداع:...
..."وداعًا يا عم كارل، السيدة مارثا، إميلي، بيل، نويل. اعتنوا بأنفسكم جميعًا."...
...في بلمونت، لا يُكثر الناس من الكلام عند الوداع. بدلًا من ذلك، يقدمون لك سلة كبيرة مليئة بالخيرات تعبيرًا عن محبتهم....
...تحركت العربة مبتعدة....
...مدّت هيزل رأسها من النافذة، ونظرت إلى الأشخاص الذين تركتهم خلفها: كارل، ومارثا، وإميلي، وبيل، ونويل—كانوا يقفون يلوحون لها بينما تتضاءل المزرعة في الأفق....
...في ذلك اليوم، أدركت هيزل شيئًا مهمًا:...
...بغض النظر عن مدى الحزن، هناك أوقات يكون فيها الوداع أمرًا لا مفر منه....
...ولكن... كان لديها حلم....
...قررت هيزل في تلك اللحظة:...
...'يومًا ما، سأملك مزرعتي الخاصة!'...
...---...
...مرّت السنوات كما تتفتح الأزهار وتذبل ثم تزهر مرة أخرى. وهكذا، مرّت أحد عشر سنة منذ ذلك اليوم الذي ودّعت فيه الطفلة الصغيرة مزرعة بلمونت بدموع مكتومة......
...في مدينة صغيرة تُدعى روشيل، وسط الإمبراطورية، جلست شابة عند نافذة أحد البنوك....
...كانت هيزل الآن فتاة في التاسعة عشرة من عمرها. رفعت شعرها البني الداكن بإحكام مثل زملائها، وكانت تحرك المعداد الخشبي بمهارة بينما كانت عيناها الخضراوان الخاليتان من أي بريق تراقبان الحسابات....
...كانت عيناها الخضراء الباهتة تتجولان بلا هدف حتى وقع بصرها على إعلان صغير في إحدى الصحف التي يحملها أحد العملاء:...
...'مزرعة للبيع بسعر رخيص!'...
...كان السعر مكتوبًا بخط عريض تحت الإعلان:...
...'ثمانية آلاف غولد'...
...أخذت نفسًا عميقًا....
...راتب موظفة بنك مبتدئة مثلها هو 12 غولد شهريًا. إذا ادخرت كل ما تكسبه ولم تنفق شيئًا، فستحتاج إلى 55 سنة لتجمع هذا المبلغ!...
...'سيكون عمري حينها 74 عامًا!'...
...تنهدت هيزل بحسرة....
...منذ أن كانت طفلة في الثامنة، كان لديها حلم واحد: امتلاك مزرعة خاصة بها. ...
...لكن كابنة لعائلة نبيلة سقطت في الفقر ولم ترث شيئًا، بدا ذلك الحلم بعيد المنال. رغم أنها عملت بجد ووفّرت كل قرش، إلا أن راتبها كان ضئيلًا وأسعار الأراضي باهظة....
...'عليَّ أن أوفر أكثر... وأكثر!'...
...بينما كانت غارقة في أفكارها، مرّ المدير بجانبها، وعندما لاحظ توقفها عن العمل، نظر إليها بحدة. أسرعت هيزل في مواصلة العد على المعداد....
...عندما دقّ جرس الغداء، قام الموظفون، الذين كانوا يشعرون بالملل من العمل المتكرر، بسرعة بتوضيب مكاتبهم. التفتت زميلتها روزاليند نحوها وهي تتمطى:...
..."هل ستتناولين الغداء بمفردك مجددًا؟"...
...أومأت هيزل برأسها....
...رغم أنها عملت في البنك لمدة عامين، إلا أنها لم تذهب لتناول الغداء مع زملائها ولو لمرة واحدة. كان رغيف خبز مدهون بالقليل من الزبدة كافيًا بالنسبة لها....
...عندما غادرت البنك خلال استراحة الغداء، تركت شعرها البني الداكن ليتدلى على كتفيها، وفكّت الزر العلوي من قميصها لتتنفس قليلًا. كانت هذه الدقائق القليلة التي تتنفس فيها الهواء الطلق هي أفضل لحظة في يومها....
...ولكن بينما كانت تنزل درجات السلم، توقفت فجأة....
...على الجانب الآخر من الشارع، وقف رجل عجوز يرتدي قبعة قش كبيرة وقميصًا ملونًا وسروالًا قصيرًا مربوطًا بشريط عند الركبتين. كان يلوح لها بذراعيه بحماس....
...كان هذا الرجل غريب الأطوار هو البارون أرتشيبولد سيباستيان ميفيلد، جدّها الذي لم تره منذ أكثر من عام ونصف. ...
..."جدي؟!"...
...كانت هيزل تحبه رغم غرابته. لكنه كان دائمًا ما يعود من رحلاته الغريبة محملًا بأشياء لا معنى لها مثل أعشاب سحرية أو أدوات عجيبة، لذلك لم تأخذ كلامه على محمل الجد....
...ولكن هذه المرة كان الأمر مختلفًا....
...ركض العجوز نحوها وتحدث بصوت خافت بحماس واضح:...
..."لقد حققت صفقة العمر هذه المرة! وأخيرًا، لقد فعلتها!"...
..."ماذا؟"...
...أخرج الجد وثيقة من حقيبته، ورفعها أمامها بفخر:...
..."إنها وثيقة ملكية. يا صغيرتي، لقد أصبحتِ مالكة مزرعة الآن!"...
..."ماذا؟!"...
...اتسعت عينا هيزل من الذهول. لم تصدق أذنيها. لكن عندما قرأت الاسم المكتوب على الوثيقة...
...– هيزل إدويْنا ميفيلد –...
... أدركت أن الحلم الذي راودها لأكثر من عشر سنوات قد أصبح حقيقة....
...لم تستطع منع نفسها من احتضان جدّها بحماس....
..."مزرعتي... لديّ مزرعة حقًا!"...
...---...
...عادت إلى البنك بعد الاستراحة، عندما صرخ مديرها بغضب بسبب تأخرها ثلاث دقائق، نظرت إليه بثقة وابتسمت قائلة:...
..."سأستقيل."...
...وضعت استقالتها على مكتبه وسط ذهوله، وغادرت دون أن تنظر خلفها....
...من الآن فصاعدًا، ستبدأ مغامرتها الجديدة في مزرعتها الخاصة!...
Comments