مزرعة اشجار الكستناء بجوار القصر الإمبراطوري

مزرعة اشجار الكستناء بجوار القصر الإمبراطوري

𝟏

...في جنوب إمبراطورية براتانيا، وتحديدًا في بلدة بيلمونت، كانت عربة سفر تهرول على طريق موحل تحت وابلٍ من الأمطار. كان غطاء العربة ممزقًا، وشعار العائلة بالكاد يُرى، حتى بدا حرف "M" كعمودين منفصلين. شقت العربة طريقها عبر غابة أشجار المارونيا التي ازدادت اخضرارًا بفعل المطر، حتى توقفت أمام أحد المنازل الريفية....

...في الداخل، كان المزارع كارل مارتن وزوجته وأطفاله الثلاثة يقضون ظهيرة هادئة حتى فوجئوا بصوت الطرق المفاجئ. نظروا إلى بعضهم بذهول، فمن ذا الذي قد يأتي إليهم في هذا الطقس العاصف؟...

...طَرق!~ طَرق!~ طَرق!~...

...لم يكن لديهم أي ضيوف متوقعين. فتح كارل مارتن، صاحب المزرعة، الباب بحذر وأطلّ إلى الخارج....

..."من هناك؟"...

...كشف الزائر عن وجهه بإزاحة معطفه الأسود المبتل. كان رجلًا مُسنًا ذا شعر فضي منسدلٍ للخلف مثل لبدة أسد، وهيئة قوية رغم تقدمه في العمر....

..."إنه أنا."...

..."آه!"...

...عرفه كارل على الفور. لقد كان البارون ميفيلد، الرجل الذي التقى به قبل أربع سنوات في السوق، عندما أنقذه من عملية احتيال كادت تكلفه إحدى أبقاره....

..."البارون ميفيلد!"...

..."يبدو أنك لم تنسني." ابتسم البارون وأضاف: "قلتَ حينها إنك سترد لي الجميل يومًا ما. حسنًا، هذا اليوم قد حان. أريد منك أن تعتني بهذه الفتاة."...

...أرتبك كارل من كلامه عندها خرجت من تحت عباءة البارون الصغيرةُ التي لم يلحظها أحد. كانت ترتدي عباءة سوداء مماثلة، تخفي جسدها النحيل....

..."إنها حفيدتي الوحيدة، ابنة ولدي الراحل. عمرها ثماني سنوات فقط، لذا لا يمكنني اصطحابها إلى 'إلدورادو'."...

..."إلدورادو؟" تمتم كارل بدهشة....

..."نعم، أخيرًا حصلت على فرصة ذهبية هناك. حان وقت المقامرة الكبرى. عزيزتي هيزل، كوني فتاة جيدة، استمعي إلى السيد والسيدة مارتن، واعتني بنفسك."...

...انحنى البارون بسرعة ليقبل وجنتي الفتاة، ثم غادر بنفس سرعة قدومه، تاركًا الطفلة وحدها وسط الأمطار....

...نظرت مارثا مارتن إلى زوجها بدهشة....

...---...

...طفلة نبيلة، في مزرعة فقيرة...

..."كارل... ما الذي فعلتَه؟"...

..."أنا آسف، أنا حقًا آسف."...

...اعتذر كارل مراتٍ ومرات، لكن وجه زوجته ظل متجهمًا. لم تستطع تصديق أن زوجها، الذي كان دائمًا رجلاً بسيطًا ومستقيمًا، قد أوقعها في مثل هذه المشكلة....

...كانت قد رأت حالة العربة التي أتى بها البارون، ولاحظت بتمعن الفتاة الواقفة في المدخل....

...بقيت الطفلة واقفة مكانها، تحدّق في الباب المغلق بعيون خضراء خافتة البريق. نظر كارل إلى زوجته مارثا بوجه مضطرب، لكن نظراتها كانت غاضبة ومتجهمة....

..."ألم تقل إنك لن تتورط في مشاكل أخرى؟!"...

..."أنا آسف... لم يكن لدي خيار..."...

...لكن مارثا لم تبدُ مقتنعة، فزوجها البسيط الطيب لم يكن من النوع الذي يرتكب مثل هذه الحماقات. نظرت بحدة إلى الفتاة الصغيرة:...

...كان شعرها البني الداكن مصففًا بعناية ومربوطًا بشريط أنيق، كما لو أن جدها قد اعتنى به بنفسه. عيناها الخضراوان كانتَا مطأطأتين، ووجهها شاحبًا. لكن رغم مظهرها الأنيق، كانت حواف فستانها مهترئة ورباطا حذائها مختلفين في اللون، مما كشف عن الوضع المالي السيئ لـعائلة البارون.....

...مارثا، التي كانت ربة منزل اعتادت القلق على المستقبل، توصلت إلى استنتاج فوري:...

... هذه الطفلة ستبقى معهم إلى الأبد....

...ابنة عائلة نبيلة سقطت في الفقر!...

...شعرت وكأن حجرًا ثقيلًا قد استقر فوق صدرها، فأجابت بلهجة باردة:...

..."حسنًا، بما أنك ستعيشين هنا، فأنتِ واحدة من أطفال هذه العائلة. وهذا يعني أنكِ ستعملين أيضًا. الجميع هنا يعمل، إميلي، بيل، ونويل كذلك."...

..."نعم، سيدة مارتن."...

... ردّت هيزل بهدوء مطيع، مما أثار ريبة مارثا أكثر. فقد سمعت الكثير عن أبناء العائلات النبيلة وكيف يتصرفون. لم تكن مستعدة لتحمل دلال فتاة متعجرفة....

... لكن لحسن الحظ، هيزل لم تكن مدللة، ولم تكن كثيرة الكلام. كانت تتحدث بلباقة، تصغي بانتباه، وتتحرك بحذر شديد، وكأنها تخشى أن تكون عبئًا....

...شعرت مارثا بوخزة في قلبها، لكنها تمالكت نفسها....

...كل صباح كانت تكرر: "يجب أن تساعدي، إن كنتِ ستعيشين هنا."...

...قالتها مرارًا، ليس كتهديد، بل كأمر واقع. عندما تبلغ العاشرة، كانت تنوي أن تكلفها بالعمل حقًا، فالمزرعة تحتاج إلى كل يد عاملة....

...حتى جاء اليوم الذي سألتها فيه الطفلة بصوت خافت: "هل أستطيع المساعدة؟"...

...دون أن تفكر، ردت مارثا بلا اهتمام: "افعلي ما تشائين."...

...لكنها لم تدرك حينها أن تلك الجملة ستغير كل شيء....

...---...

..."يد الشمس"...

...في اليوم التالي، عندما كانت مارثا مشغولة بالغسيل، سمعت جلبةً قرب الحظيرة. هرعت إلى الخارج وهي تتوقع كارثة، لكنها وجدت كارل والأطفال متجمعين حول الحديقة الصغيرة قرب الإسطبل، يحدقون بدهشة في صفوف منتظمة من بذور الفاصوليا. ...

...وقفت الفتاة الصغيرة هناك، تنظر إليها بفخر....

..."كيف حدث هذا؟!"...

..."لكن... ألم تدمرها الأمطار؟! كيف؟!"...

...صاح نويل، الابن الأصغر بحماس: "إنها هيزل! أعادت زرعها! لم تكن تعلم أنها غير صالحة، لذا جمعتها وزرعتها من جديد!"...

...وقفت مارثا مذهولة. كانت تعرف كم تألم أطفالها عندما جرفت العاصفة نبتاتهم الصغيرة، وكيف رموا البراعم الذابلة دون أمل. لكنها الآن تراها تنمو من جديد....

..."لكن كيف عرفتِ؟"...

...تلعثمت الطفلة: "أنا... فقط جلست وتأملتها. شعرت أن كل نبتة مختلفة، وكأنها تخبرني بما تحتاجه. بعضها احتاج مزيدًا من التربة، وبعضها قليلًا من الماء، والبعض الآخر كان بحاجة إلى ضوء الشمس. وعندما وضعتها في المكان المناسب، لمستها برفق وقلت لها أن تتحمل، ثم... فجأة بدأت تستعيد عافيتها."...

...كان هناك شيء واحد يفسر هذا....

...تبادل كارل ومارثا النظرات المذهولة، ثم همسا معًا:...

..."إنـهـا یـد الـشـمـس!"...

...---...

..."إنها معجزة!"...

...وفقًا لأسطورة المزارعين، يولد كل مئة عام شخص يمتلك "يد الشمس"—لمسة سحرية قادرة على جعل النباتات تزدهر ، وجعل الحيوانات أكثر صحة، والمحاصيل أكثر وفرة....

...منذ ذلك اليوم، أصبحت هيزل روح المزرعة....

...ساعدت في كل شيء، من العناية بالحيوانات إلى تحضير الخبز، وكان لكل ما تلمسه أثر مذهل. عجنت الخبز، فصار أكثر انتفاخًا ولذة. ...

...حلبت البقرة المشاكسة نورما دون عناء، حتى أن الدجاج بدأ يبيض بيضًا أكبر حجمًا!...

...بمرور الشهور، بدأت الطفلة الخجولة تتحول إلى جزء لا يتجزأ من المزرعة. كانت سعيدة، وبدأت ملامحها تتغير—اكتسبت وجنتاها احمرارًا، وبدا بريق في عينيها. وعندما ركضت مع إيميلي وبيل في الغابة، كانت تضحك بمرح لم يكن موجودًا من قبل....

...أدركت مارثا حينها: عندما يجد التعساء السعادة، فإن الذين يراقبونهم يشعرون بسعادة لا توصف....

...لكن لا شيء يدوم إلى الأبد....

...---...

...في إحدى ليالي الشتاء القارصة، وبينما كانت العائلة تستمتع بدفء الموقد، شوهدت عربة قادمة عبر الجليد ...

...طُرِق الباب مجددًا....

...فتحه كارل، ليجد البارون ميفيلد واقفًا هناك. كان يبدو أكبر سنًا وإنهاكًا من ذي قبل، وثيابه البالية كشفت عن إخفاقه في "إلدورادو". لكنه عاد لسبب واحد—استعادة حفيدته....

... ...

..."حان الوقت للعودة معي، هيزل."...

...ولكن عندما نطق بهذه الكلمات، لم تجبه الطفلة. وعندما نظر الجميع حولهم، لم تكن موجودة....

...بحثوا عنها في كل مكان، حتى وجدها البارون بنفسه، مختبئة في الإسطبل خلف أكوام القش. ...

... ...

...عندما أمسكت يداه بها، صرخت بحرقة:...

..."أنا لن أذهب! سأبقى هنا!"...

...حدّق بها البارون بذهول لم يتوقع هذا.... ...

مختارات
مختارات

2تم تحديث

تنزيل على الفور

novel.download.tips
تنزيل على الفور

novel.bonus

novel.bonus.content

novel.bonus.receive
NovelToon
فتح الباب إلى عالم آخر
لمزيد من التشغيل واللعب ، يرجى تنزيل تطبيق MangaToon