•يوم خريفي بارد... برودته الخافتة المرتعشة تسربت بحدة موحشة للروح قبل الجسد...
انها واشنطن دي سي... اواخر شهر سبتمبر... شهر الخريف المرير
تقلبات الاجواء... اصفرار الاشجار... وجع الحنين... وآه يا وجع الحنين... ما اقساها على روحها الحرة المستنزفة شوقا موجعا لأرضها...
لا شيء يستنزف الروح شيئا فشيئا كإحساس الحنين، ذلك الاحساس الذي يبدأ بإلتهاب الروح حتى يحيلها رمادا.
وتكون العودة للوطن كعودة العنقاء التي تقوم من رمادها حين يعبر جسد حيٌ كما تقول الاسطورة
وهكذا هو الوطن... هو الجسد الحي الذي يعيد الروح لبقايا الرماد..
... تسير بثقة... تشاهد الشمس وهي تعانق الافق...والرياح تداعب شعرها الاشقر الطويل... عيونها الزرقاء تلمع مع نور شمس الغروب... تسحب حقيبتها خلفها... حقيبة سفرها بعدما كانت في بيت اهل والدها... تجولت في المكان وزارت بيتها القديم... البيت الذي لقيّ فيه عمها «جونبيه» وأمها «سيليفيا» اوكما كان يناديها الجميع «سيليا» حتفهما... بيت صغير اتلف مع مرور الزمن... حركت عيونها بتأمل تفحص المكان... شباك العنكبوت في الزوايا والاثاث... وبقع وبرك مختلطة بين البني والاحمر الغامق كانت لدماء قديمة...اطلقت زفرة طويلة... تحاول بها اخراج الكبت الذي بداخلها... لتنسى احداث ذلك اليوم المشؤوم... وغاصت بها الذاكرة لذلك اليوم.... جونبيه: حسنا روان... اذا قدمتي لها هذه الرسالة والاسوار... اعدك بهدية.. هي بحماس طفولي: حقا؟ فقط لو قدمت لإيميلي هذا؟... جونبيه: نعم.. وهذا وحد... ركضت لحبيبته ايملي البالغة من العمر 16عاما قبل ان ينهي جملته واعطتها اشيائها... وعادت لعمها بطفولة: حسنا... اين جائزتي(ابتسمت بطفولة)
ضحك على شكلها ونشاطها واخرج 500ين من جيبه وقدمها لها: هذه جائزتك(بدأ بمداعبة شعرها بحنان) اذهبي واشتري لنفسك ما تشائين...
ابتسم بطفولة وركضت بحماس الى دكان في الحي يبيع الحلوى والألعاب البسيطة، نضرت للمبيعات بطفولة... ثم لمحت دبابيس شعر لطيفة الشكل على شكل ورود ملونة... فكرت في نفسها ان تفاجىء امها التي تغلب عليها اليأس والإكتئاب منذ سماعها لخبر وفاة والدها. وان تشتريه لها كهدية لعلها ترى الابتسامة التي لم تضهر على وجهها منذ زمن... وبحماس طفولي توجهت لمنزلها على امل ان تسعد والدتها... لكنها توقفت بصدمة عند عتبة الباب... البيت مخرب.... الأثاث مكسور... الدماء في كل مكان... وجونبيه عمها ملقى على الارض على وجهه يغطيه شعره الاسود الطويل الممزوج بالدماء... وجسد امها على الاريكة جالسة وهي تقطر دما.
اسرعت لأمها وقدماها بالكاد تتحمل الوقوف... لا تتحرك... بالكاد تتنفس... هزتها بخوف وبد بدأت تفقد السيطرة على نفسها...وعيونها غارقة بالدموغ وبصوت اجش باكي: امي... امي ردي علي... امي انا ارجوك ردي علي... امي ردي ارجوك... أيرضيكي ان تتركي ابنتك وحدها... امي ارجوك... لا رد... لا حراك... تنضر لهما بصدمة وعجز... ماذا حدث... ما الذي يجري... لم يستطع عقلها ايستيعاب الامر... تنضر للجثث امامها بخوف وعجز...
افاقت من شرودها ومسحت دمعة يتيمة نزلت على خدها... رفعت رأسها للسماء محاولة نسيان الامر... التفتت خلفها لصوت خطى هادأة.لمحت رجل في اوائل العشرينات يقترب منها وواضح انه لا ينوي خيرا. تراجعت للخلف برهبة لكنه سرعان ما اقترب منها وشدد قبضته عليها... حاولت المقاومة وهاجمته بحركات قتالية للدفاع عن نفسها، لم تكن تحمل معها لا سكينا ولا سلاحا للدفاع عن نفسها وذلك كونه يمنع ادخالها الطائرة، قاومت بكل قوتها في سبيل حماية نفسها...تعرضت لضربات موجعة...قدماها ما عادت تتحمل...لا تستطيع الاستمرار في الوقوف...تحاول مقاومة الالم والاستمرار في المقاومة لكنها لم تلبث طويل حتى ضرب رأسها وسقطت ارضا، تحاول ابقاء نفسها مستيقظة لكن عيونها ابت ان تستجيب.واغمي عليها وتركت رحمة ذلك المتعدي...
اليكم ما اعاني فلا ارى غير الظلام...
يحاصر عيوني ولا اجد الا متسعا بسيطا لا يكفي الا لتتصاعد فيه انفاسي العليلة...
تعبت وانا اركض في كل الاتجاهات... وسأظل اجري واجري واجري...
• فتحت عيوني الزرقاء ببطأ قليلا واغمضتهم بقوة جراء الضوء الساطع، فتحتهما مجددا وأنا اغمضهما وافتحمها لأستوعب ما حولي... واخيرا فتحتهما، آخ يا للألم..جسدي ملفوف كالمومياء... احس ان جسدي مهدم، آه... لا اقوى حتى على الحراك . سحقا...
قلبت ناظري على المكان اتفحص اين انا...
غرفة واسعة بأثاث راقي وفخم. بطلاء ابيض ناصع مع بعض الاشرطة باللون الرمادي الغامق، مستلقية على سرير كبير امامه 3 ارائك باللون الابيض والرمادي امامها طاولة زجاجية سوداء فخمة. وخزانة كبيرة بيضاء فاخرة بشرائط باللون الازرق الغامق بها مرآة كبيرة الحجم. وباب جانبي واضح انه الحمام. وبعض اللوحات الفنية معلقة تزين جدران تلك الغرفة الساحرة. وباب كبير في الامام، واضح انه المدخل... تنهدت بحسرة على حالي... اين انا الآن... ههه... ومن يبالي... هل لي من اهل ليقلقوا علي... او اخوة واحبة يشعرون بألمي... لا وألف لا... هاه ياقلب تحمل فلن يقتنعوا انك تتألم حتى تموت... قاطع شرودي صوت الباب يفتح... رجل طويل بطول 190 تقريبا ضخم البنية عريض الأكتاف، بشعر اسود فحمي وعيون زرقاء غامقة حادة تشع بالهيبة والوقار، ابيض البشرة بارد الملامح يرتدي بذلة باللون الأزرق الغامق تزيد عيونه لمعانا، ومعطفا اسود حريريا مرميا على اكتافه... يقف امام الباب بثقة وحضوره يملأ المكان وكأن هالاته تصرخ لترضخ مسامع الناظرين اليه. تقف خلفه خادمة قصيرة في مقتبل العمر... دخل الغرفة دون ان ينظر الي او ينظر حوله. نزع معطفه وقدمه للخادمة خلفه وهو يكلمها بصوت هادئ بالكاد يسمع فيما تومئ هي برأسها له دون نقاش... التفت الي ووجدني انظر له بإستغراب وخوف ومزيج من المشاعر المختلطة التي ماعدت استطيع السيطرة عليها، نظر الي نظرات باردة عجزت عن فهمها، يدقق في نظراتي وكأنه يدرسها ويحللها، واخيرا كسر حاجز الصمت وقال بصوت رجولي اجش بارد وبنبرة هادئة قريبة للهمس : اذن انت مستيقظة...
تقدم من السرير بهدوء وحذاءه المصقول يضرب في الارض لتنتشر في الغرفة الهادئة صوت وقع اقدامه، وقف امام السرير بطوله الشاهق ونظر الي هنيهة ببرود ثم جلس قبالتي في كرسي كان بجانب السرير ووضع رجل فوق الاخرى وعقد ذراعيه واردف: اذن... من انت؟
نظرت له برهبة لبرهة... من هو؟... ولماذا انا عنده؟... ماذا يريد مني؟
تعابيره غير قابلة للقراءة، ونضراته الباردة ترسل الرعشات اسفل عمودي الفقري... استجمعت قواي، كيف لي ان اجيبه وانا لا اعرفه، اخذت نفسا عميقا وبهدوء اردفت: ومن حضرتك حتى اخبرك من انا؟
لم يرد، وملامحه جامدة دون تغير، لكنه رفع حاجبيه بسخرية وبعد صمت دام للحظات قال: لا أحب تكرار كلامي مرتين،فمن انت؟
عبست بقرف...من هو ومن يحسب نفسه حتى يخاطبني هكذا؟
... لكنني لاحظت ان عيونه ضاقت قليلا وواضح انه منزعج...ترددت قليلا...ربما علي الاجابة...لكنني لا اعرفه حتى افعل...لكن لا فرصة لدي امامه... انا وحدي وعند شخص لا اعرفه، ضعيفة لا حول لي ولا قوة... لا خيار لدي...
اخذت نفسا عميقا واجبته بصوت منخفض: روان تيو... من لوس آنجوس...
نظر الي هنيهة بصمت وعيناه تدرسان كل حركاتي ثم اردف: تيو؟
أجبت بهدوء: روان تيو... ابنة جاك تيو
لا رد منه، لكن ابتسامة ساخرة ارتسمت على طرف شفتيه... وقف بهدوء واستدار متجها الى الباب وغادر الغرفة دون ان ينبس ببنت شفة...
غادر؟... وتركني هكذا؟... فقط؟
ألن يخبرني من هو؟ حقا؟ ... الأحمق... من هو على اي حال؟
هو ليس نفس الشخص الذي هاجمني في الحديقة.. هل يمكن ان يكون شريكه؟... لا.. واضح انهما ليسا من نفس الطبقة الاجتماعية
.. اذن... هل هو رئيسه؟ وأمره بأن يختطفني؟.. لكنه لا يعرف من اكون؟ مهلا.. لا علاقة له بمن هاجمني؟ من يكون اذن؟...
قاطع صوت افكاري دخوله وابتسامته تشق حلقه ثم جلس على الكرسي امامي وقال: حسنا... اهتممت بكل شيء... ستبقين هنا حتى تشفي
_ لكنك لم تخبرني من انت حتى الآن ...
_ لا اضن ان هناك حاجة لتعرفي من انا
_ ما قصدك بلا حاجة.. كيف تريد مني ان ابقى وانا لا اعرف من انت؟(قاطعته بغضب)
_ وكأن الأمر بيدك؟ (قال بهدوء ونبرة من السخرية)
_ تتكلم وكأن الامر بيد حضرتك ... كيف لي ان اثق بك؟.. ألست الشخص الذي اختطفني وأحضرني الى هنا؟ (اجبته صارخة)
_ صوتك لا يعلو فوق صوتي... احذرك (قال بنبرة حادة صارمة)
_نعم؟... بصفتك من؟(بسخرية)
_ قال بحدة بينما يقف: سيد هذا المنزل... ولا صوت يعلو فوق صوتي...
لمزيد من التشغيل واللعب ، يرجى تنزيل تطبيق MangaToon