...يُقال إن الموتَ قد يأتي في أي لحظة، لكنني كنتُ أعتقد أنه لا يزال بعيدًا عني....
...كنت في أوائل العشرينات من عمري، وكان أمامي أيام أكثر بكثير مما تركت خلفي. لكنَّ الموتَ لا يهتمُّ بالعمر....
...في أحد الأيام، والذي لم يكن مختلفًا عن غيره، شعرتُ بألمٍ حادٍّ في رأسي وكأنه سينفجر. ذهبت إلى المستشفى، وهناك تلقيت تشخيصًا صادماً: لم يتبقَّ لي سوي عامٌ واحدٌ حتى للحياة....
...كان المرضُ قد تفشَّى في جسدي بشكلٍ لا يمكن علاجه....
...وهكذا، عشت أيامًا مليئة بالألم واليأس، حتى انتهت حياتي بالبكاء والصراخ، رافضة الموت… ومع ذلك، ...
...مـتُّ....
...ما زلتُ أتذكر تلك اللحظة جيداً....
...لحظة توقّف أنفاسي، وانقطاع نبضات قلبي، وصوت أفراد عائلتي وهم يبكون بحُرقة، ينادون اسمي....
...لقد متُّ، بلا شك....
...ولكنني لم أمت....
...بمعنى أدق، الفتاةُ الكورية العادية في العشرينيات من عمرها قد ماتت....
...أما أنا، فقد فتحتُ عينيَّ في جسدٍ جديد....
...جسد "سيلفيا أتلانتي"—...
... الابنةُ الثالثة لعائلة دوق أتلانتي، إحدى أعرق العائلات النبيلة. لكنها كانت دائمًا موضع مقارنة مع أفراد عائلتها، وكان الجميع ينظر إليها باحتقار، قائلين إنها لا تليق باسم أتلانتي....
...فتاةٌ أمضت حياتها تتوقُ للحب، لكنها لم تحظَ به يومًا، حتى قررت إنهاء حياتها بيديها عبر شرب السم....
...أما الآن، فقد أصبحتُ "سيلفيا أتلانتي."...
...---...
...شعرتُ وكأنني كنتُ في حلمٍ طويل....
...استيقظت، لكن ذهني لا يزال ضبابيًا، وجسدي مثقلٌ بالخدر. يبدو أنني كنت نائمة لفترة طويلة، حتى أنني بالكاد أستطيع تحريك أصابعي....
...لكن هذا لم يكن غريبًا عليّ، فآخرُ ما أذكرُه قبل فقدانِ الوعي هو ألمٌ لا يُحتمل، ظننتُ أنني متُّ حقًا، لكن يبدو أنني نجوتُ بطريقةٍ ما....
...هل هذا أمرٌ جيّد؟ أم أنني عالقةٌ في دوامةٍ أخرى من الألم والمعاناة؟...
...بينما كنتُ أفكِّرُ في ذلك، رفعتُ يدي ببطءٍ—...
...ولكن......
..."هذه ليست يدي!"...
...أو ربما، "عيناي تخدعاني؟"...
...يدي كانت شاحبةً وهزيلةً، كأنها لم تعرف الدفءَ يومًا....
...لم تكن هذه يدي المألوفة، بأصابعها الممتلئة وحركتها المعتادة....
...ثم انتبهتُ إلى شيءٍ آخر......
...الملابس التي أرتديها غريبة....
...بدلًا من ملابس المستشفى، كنتُ أرتدي فستانًا فاخرًا مزينًا بالدانتيل والجواهر، وكأنني من طبقة النبلاء....
...نظرتُ حولي......
...كانت الغرفة فاخرةً بشكلٍ لا يُصدق—...
...سريرٌ ضخمٌ يكفي لعدة أشخاص، ثريا ضخمة تتدلى من السقف المرتفع، وجدرانٌ مزينةٌ بنقوشٍ ذهبية على ورق جدران أزرق....
...مشهدٌ أشبه بقصور النبلاء في الأفلام التاريخية....
...ولكن... لماذا أنا هنا؟...
..."ما هذا؟ لا، مستحيل..."...
...لم يكن هناك سوى تفسيرٍ واحدٍ لهذا الوضع غير الواقعي—...
..."هل أنا في حلم؟"...
...ولكن، لماذا أحلمُ بشيءٍ كهذا؟...
..."هل كنتُ أرغبُ سرًّا في أن أصبح نبيلة؟"...
...بينما كنتُ أفكرُ في هذا، سمعتُ صوتًا يناديني—...
..."آنستي، هل أنتِ بخير؟"...
...—آنستي؟...
...لقبٌ غريب. لم ينادني أحدٌ بهذا من قبل، حتى زوجةُ أخي كانت تناديني باسمي مباشرةً....
...التفتُّ إلى مصدر الصوت......
...رأيتُ فتاةً شابةً ذات ملامح أوروبية، بعيونٍ واسعةٍ وأنفٍ مستقيم، وبشرةٍ ناصعة البياض....
...لكنّ الأمرَ لم يتوقف عند هذا الحدّ—...
...كانت ترتدي زيًّا مميزًا:...
...فستانًا أسودَ طويلًا، مزيَّنًا بالدانتيل، ومئزرًا أبيضَ نقيًّا، مع شريطٍ أبيضَ يبرز بين خصلات شعرها البنيّ المموج....
...—"خادمة؟!"...
...هل هذه مزحة؟ هل أنا في حلمٍ أم في مشهدٍ من رواية؟...
..."آنستي، هل تريدين بعض الماء؟"...
...أومأتُ برأسي تلقائيًا دون تفكير، فقامت الفتاة التي ترتدي زيّ الخادمة بسكب الماء في كوبٍ فضيّ وقدّمته لي باحترام....
..."تفضلي."...
..."شكرًا لكِ."...
...تلقّيتُ الكوب بكلتا يديّ بأدبٍ ورددتُ بالشكر....
...لكن... وجهها بدا غريبًا. وكأنها سمعت شيئًا لا يجب أن يُقال....
..."ماذا قلتُ للتو؟"...
...لقد قلتُ "شكرًا" بكل بساطة، أليس كذلك؟ لم يكن هناك شيء خاطئ في كلماتي....
...لكن تعابيرها كانت وكأنها رأت شبحًا، مما جعلني أشعرُ بالارتباك....
...تجاهلتُ ذلك وأخذتُ رشفةً من الماء الفاتر، فشعرتُ ببرودةٍ لطيفةٍ تُهدّئ جفاف حلقي وتُخفّف بعضًا من اضطرابي....
...'حسنًا... حتى لو كنتُ لا أعلم اين انا، يجب أن أتماسك.'...
...يقولون: حتى لو دخلتَ عرين الأسد، إن كنتَ متيقظًا ستخرجُ حيًّا....
...لا أعلم أين أنا، ولا من تكون هذه الفتاة، ولماذا أنا في هذا المكان، لكن عليّ أن أهدأ وأحاول فهم الموقف....
...مددتُ يدي بالكوب لأعيده إليها......
...لكن......
..."هاه؟ انتظري لحظة..."...
...سحبتُ الكوب مجددًا وأمسكتهُ بالقرب من وجهي، حتى كاد أنفي يلمس سطحه المعدني العاكس....
...انعكس وجهي بوضوح على سطح الكوب......
...شعرٌ بنيٌّ فوضوي، وجهٌ مستدير، وملامحُ مطموسةٌ بفعل الامتلاء....
...'هذا... ليست وجهي.'...
...وفي تلك اللحظة، اجتاح رأسي ألمٌ لا يُحتمل!...
..."آه...!"...
...سقط الكوب من يدي، وسمعت الخادمة التي صرخت بفزع:...
..."آنستي!"...
...سمعتُ صوتَ الخادمة تناديني بقلق، لكنّ الكلمات تلاشت وسط ضوضاءٍ في رأسي....
...كل ما شعرت به هو تدفقٌ مفاجئ للذكريات داخل رأسي....
...ذكرياتُ شخصٍ آخر، حياتُه منذُ الولادةِ وحتى الموت....
...كانت تلك حياة "سيلفيا أتلانتي"—...
...الفتاةُ التي أصبح جسدُها الآن ملكي....
...---...
..."سيلفيا أتلانتي"...
...في طفولتها، كانت مجرد نبيلة عادية، فتاةٌ وُلِدت لعائلةٍ نبيلةٍ مرموقة، وكان من الممكن أن تعيش حياةً طبيعية لو أنها وُلِدت في أي عائلةٍ أخرى....
...لكن مشكلتها الوحيدة... أنها وُلِدت كابنةِ دوقِ أتلانتي....
...ودوق أتلانتي لم يكن رجلًا عاديًّا—...
...لقد كان أحد أعمدة الإمبراطورية، سليل عائلةٍ نبيلةٍ حافظت على ثروتها وسُلطتها لأجيال....
...رجلٌ ذكيٌّ ذو حضورٍ طاغٍ، وسيمٌ لدرجة أن النساء ظللنَ يذرفنَ الدموعَ يومَ زواجه....
...لكن لم يكن هناك من يستطيعُ أن يُعيبَ اختياره للزوجة، فرغم أن الدوقة لم تكن من عائلةٍ قوية، إلا أنها كانت تُلقّب بـ "الملاك" لجمالها وقلبها الطيّب....
...وهكذا، انتظرَ الجميع بترقّبٍ رؤية الأبناء الذين سينتجان عن هذا الاتحاد المثالي....
..."لابد أنهم سيكونون رائعين..."...
...توقّع الجميعُ أن يرثوا الجمال والذكاء والنبل والمهارة القتالية....
...وفي الحقيقة، كانوا محقّين—...
...ثلاثةٌ من أبناء الدوق كبروا ليكونوا الصورة المثالية للنبلاء؛ وسامةٌ آسرة، عقولٌ لامعة، مواهبُ قتالية، وأخلاقٌ نبيلة....
...لـكـن......
...كان هناك استثناءٌ واحدٌ فقط....
...طفلةٌ لم ترث أيًّا من تلك الصفات المثالية، لم تكن جميلةً ولا ذكيةً ولا حتى مميزة....
...وكانت تلك الطفلة... هي سيلفيا أتلانتي....
...منذ ولادتها، شعر الجميع بخيبة الأمل، فلم تكن تمتلك ملامح ملفتة كإخوتها....
...وعندما بلغت عامين، كانت لا تزال تُعاني في تكوين جملٍ سليمة، بينما كان شقيقها الأكبر قادرًا على التحدّث وهو في شهره العاشر....
...وعندما وُلِدت أختها الصغرى......
...بدأت المقارنات تصبح أسوأ....
..."الشقيقة الصغرى، أيـرين"...
...كانت أيرين على النقيض تمامًا من سيلفيا، الفتاة التي جسّدت بكل معنى الكلمة لقب "أتلانتي"....
...جمالٌ ناعمٌ محبّب، شخصيةٌ لطيفة تهتمُّ بالآخرين بالفطرة، وذكاءٌ حاد يجعلها تتعلم أي شيء بسرعةٍ مذهلة....
...الجميع أحبّوا أيرين....
...أياً كان ما تفعله، كانت تنالُ الإعجاب والمديح، وكأنّ العالم بأسره يتنافس على إغراقها بالإطراء....
...أما سيلفيا؟ فكانت غير مرئية....
...عندما تكون أيرين بجانبها، لم يكن أحدٌ يُلقي نظرةً على سيلفيا....
...كل كلمات الثناء من قبيل:...
..."جميلة، لطيفة، ساحرة..."...
...كانت جميعها موجّهةً إلى أيرين وحدها....
...أما عندما تطرّق الحديث إلى سيلفيا، فكل ما قيل عنها كان:...
..."الآنسة سيلفيا أشبه ببطةٍ قبيحة، لا تشبه عائلة أتلانتي الراقية إطلاقًا."...
...بل إن البعض أطلق عليها لقب "الأميرة القبيحة" من وراء ظهرها....
...لكن... لا يوجد سرٌّ يبقى سرًّا إلى الأبد....
...عرفت سيلفيا في النهاية ما كان الناس يُنادونها به، ومع كل كلمةٍ سمعتها، كانت ثقتها بنفسها تتلاشى أكثر فأكثر....
...وبدأت تُعوّض هذا الشعور بالألم والخذلان... بالطعام....
...كلما شعرت بالفراغ، ملأتهُ بالطعام، خاصةً الأطعمة الدسمة والمُحلّاة، لأنها كانت تمنحها شعورًا مؤقتًا بالسعادة....
...وبحلول العاشرة من عمرها، ظهر لها لقبٌ جديد:...
..."الأميرة البدينة"....
...فقد كانت ضعف حجم شقيقتها الصغرى أيرين....
...وبمرور السنين، استمر جسدها في التمدّد... ومعه تضخّمت مشاعر الحسد والاستياء داخلها....
...لم يكن هناك أثرٌ للجمال الأرستقراطي في ملامحها المطمورة تحت طبقاتٍ من اللحم، بل كان كل ما يظهر على وجهها هو......
...الجشع....
...الشره... والغيرة!...
...كبرت سيلفيا وهي تُقارن نفسها بالآخرين دائمًا، تتأكلها عقدة النقص، حتى أصبحت روحها ثقيلةً بقدر جسدها، أو ربما أكثر....
...وأيّ شخصٍ كان أجمل أو أذكى أو ألطف منها، كانت تحاول إذلاله بأي طريقة....
...نتيجةً لذلك، أصبحت سمعتها في الحضيض....
...لم يُرد أحدٌ الاقتراب منها، ولم يكن لديها صديقٌ واحدٌ في هذا العالم....
...حتى عائلتها نفسها، تخلّت عنها....
...وفي يوم خطوبة أيرين بوليّ العهد......
...صفعت سيلفيا شقيقتها....
...أمام الجميع....
...في الحفل الذي حضره كبار النبلاء....
...صُدم الجميع لدرجة أنهم وقفوا مُتجمّدين في أماكنهم، غير قادرين حتى على التنفّس....
...كيف تجرؤ على رفع يدها على خطيبة وليّ العهد؟!...
...بغض النظر عن كونها شقيقتها، فقد أصبحت أيرين الآن خطيبة الإمبراطور المستقبلي!...
...وضربها أمام الحاضرين كان أشبه بإهانة وليّ العهد نفسه، بل والعائلة الإمبراطورية بأكملها....
...كان ذلك بمثابة جريمةٍ لا تُغتفر....
...وفي نفس اللحظة، انقضّ عليها الفرسان وسحبوها بعنفٍ خارج القاعة، قبل أن يُلقوا بها في زنزانةٍ باردة....
...---...
...في زنزانتها، لم تتوقف عن الصراخ والركل بعنف....
..."كيف تجرؤون على حبس ابنة دوق أتلانتي؟! هل أنتم غير خائفين من العواقب؟! أخرجوني حالًا!"...
...لكن لا أحد استجاب لها....
...كانت تعتقد أن لديها ملاذًا آمنًا—...
...أنها، رغم كل شيء، لا تزال ابنة الدوق، ولن يتخلى عنها....
...صحيحٌ أن والدها لم يكن يُظهر لها أي نوعٍ من الحب أو الاهتمام، لكنه لم يعاقبها بصرامةٍ أبدًا....
...كانت واثقةً أنه، في أسوأ الأحوال، سيطلب منها البقاء في المنزل لبعض الوقت كعقوبة....
...لـكـن......
...هذه المرة، كان الأمر مختلفًا تمامًا....
..."قرار الدوق"...
...توقعات سيلفيا كانت خاطئة تمامًا....
...هذه المرة، لم يغفر لها الدوق....
..."سيلفيا أتلانتي لم تعد ابنتي."...
...كان صوت الدوق باردًا وحاسمًا....
...بمجرد أن نطق بهذه الكلمات، خيم الصمت على الزنزانة كأن المكان تجمد بالكامل....
...فتحت سيلفيا عينيها على مصراعيهما، غير مصدقة ما سمعته....
..."…ماذا؟"...
...حدقت به بدهشة، متسائلة إن كانت قد سمعت خطأ، لكن ملامح الدوق لم تحمل أي تردد....
..."اعزلوا سيلفيا فورًا، وانزعوا عنها لقبها النبيل."...
...وفي النهاية…...
...قررت إنهاء حياتها....
...——...
...لكنها لم تمت....
...لأنني… تجسّدتُ في جسدها....
..."لا يوجد لكِ مكان هنا. ستقضين حياتكِ في مقاطعة أفالت الشمالية."...
...كان هذا أمراً بنفي سيلفيا أتلانتي إلى مقاطعة مهجورة تقع عند حدود أراضي الوحوش....
..."لا! لا، أبي! أرجوك، لا ترسلني إلى هناك!"...
...توسلت سيلفيا أتلانتي وهي تبكي بحرقة، لكن والدها، دوق أتلانتي، كان قاسيًا ولم يبدِ أي تعاطف....
..."إلى متى كنتِ تظنين أنني سأتغاضى عن أفعالكِ الحمقاء؟ هذا يكفي. لن أسمح لكِ بعد الآن بتدنيس اسم العائلة."...
...بصوتٍ باردٍ خالٍ من أي مشاعر، قطع الأب آخر أمل لابنته التي كانت تتنفس بصعوبة وكأنها على وشك الموت....
...في النهاية، لم تستطع سيلفيا إقناع والدها، وكان مصيرها أن تُنفى إلى تلك الأرض المهجورة....
...لكنها لم تكن تملك القوة للعيش في مكان قاسٍ ومليء بالمخاطر، حيث قد تواجه وحوشًا في أي لحظة....
...بلا أمل أو ثقة بالنفس، وجدت نفسها على حافة الهاوية....
...وعندها... اختارت السم....
...حصلت على سم قاتل يمكنه إنهاء حياتها دون ألم، وتجرعته....
...كان ذلك اليوم هو عيد ميلادها العشرين....
...---...
...كانت سيلفيا أتلانتي فتاةً لم تلقَ الحبّ في حياتها، ورحلت وحيدة بعد أن شربت السُّم....
..."...ولكن هل يعقل أنني أصبحتُ هذه الفتاة؟!"...
...كان الأمر لا يصدق....
..."أريد مرآة."...
..."هاه؟"...
..."أحضري لي مرآة."...
...خرجت الكلمات من فمها تلقائيًا، وكأنها كانت معتادة على التحدث بهذه الطريقة....
..."آه... آنستي؟"...
...رغم أنها كررت طلبها مرتين، إلا أن خادمتها بيل لم تتحرك، بل بدت مترددة وخائفة....
..."حقًا... هل تريدينني أن أحضرها؟"...
..."نعم، وأحضري واحدة كبيرة أيضاً."...
...عندما تحدثت بجدية، خفضت بيل كتفيها واستدارت بتردد لتنفذ الأمر....
...'لماذا تبدو مترددة هكذا لمجرد أنني طلبت مرآة؟'...
...ما إن فكرت في الأمر، حتى تدفقت إلى عقلها ذكريات سيلفيا أتلانتي الأصلية....
...كانت سيلفيا تكره رؤية انعكاسها في المرآة. كانت ترتجف وتصرخ كلما رأت نفسها، وكأنها لا تحتمل النظر إلى وجهها....
...لذا، كان طبيعيًا أن تكون بيل مذعورة الآن. ربما ظنت أن سيدتها تحاول إيجاد ذريعة لتعذيبها....
..."أ-أحضرت المرآة يا آنستي."...
...عادت بيل وهي تحمل مرآة كبيرة، تكاد تكون أكبر من حجمها....
...اقتربتُ من المرآة، وعندما نظرت إليها، رأيت امرأةً تملأ انعكاسها بالكامل....
...فتاة ممتلئة الجسد تقف أمام المرآة، وكأنها شخصان بالغين تم دمجهما في جسد واحد....
...'من الغريب أنها تستطيع الوقوف بشكل طبيعي بهذا الوزن.'...
...رفعت بصري لأرى ملامح وجهها، لكنها كانت ملامح مدفونة تحت طبقات من الدهون، لم أستطع العثور على أي أثرٍ لجمال عائلة أتلانتي النبيلة، بل مجرد نظرة كريهة ومليئة بالحقد. ...
..."هل أنا حقاً ابنة دوق أتلانتي؟"...
..."آه! يا آنستي!" ...
...رأيت بيل خلفي، وجهها شاحب وعيناها على وشك البكاء....
...فابتسمت سيلفيا بمكر....
..."كنت أمزح فقط."...
..."لا تمزحي بمثل هذه الأمور... لقد كدتُ أفقد صوابي!"...
..."لا داعي للذعر بسبب شيء تافه كهذا."...
... ...
...رغم أنها قالت ذلك بنبرة خفيفة، ظلت بيل تنظر إليها بقلق شديد....
...كانت تعلم أن قولها "لستُ ابنة الدوق الحقيقية" كان من المحرمات بالنسبة لـسيلفيا الأصلية....
...لطالما سمعت عبارات مثل: "هل سيلفيا أتلانتي حقاً ابنة الدوق؟"...
...وكانت كلما سمعتها، تفقد صوابها تماماً....
...لكنني، على عكسها، لم أشعر بأي شيء....
...'سواء كنت ابنته أم لا... ما الفرق؟'...
...تجاهلتُ بيل وعدتُ لأتأمل المرآة....
...كانت ترى جسدًا بدينًا، وملامح شبه مخفية بسبب الدهون، وبشرة بيضاء مرقطة بحبوب حمراء....
...'لو رآني أحدهم لأول مرة، سيظن بالتأكيد أنني شخص سيئ الطباع.'...
...كان شعرها بنيًا فاتحًا، يشبه شعري في حياتي السابقة مما جلعني أشعر ببعض الألفة، لكن... كان شديد التشابك بسبب الإهمال....
...أما العينان، فكانتا زرقاوين بشكلٍ غير مألوف بالنسبة لي، كأنني أرتدي عدسات لا تناسبني....
...'كان من الأفضل لو كان لونهما طبيعياً، أسود أو بني.'...
...لكن سيلفيا الأصلية كانت تحب لون عينيها....
...فقد كان الشيء الوحيد الذي يشبه عائلة أتلانتي، حيث كان جميع أفرادها يملكون عيوناً زرقاء تماماً مثلها....
...'كم هو مثير للشفقة... أن تكوني مهووسة بلون عينيك فقط لأنك لا تشبهين والديك.'...
...كم مرةً سمعت سيلفيا الناس يشككون في نسبها حتى أصبحت مهووسة بتشابهها معهم؟...
...رغم ذلك، لم أستطع لومها، فقد كانت عيناها الدليل الوحيد على أنها تنتمي لهذه العائلة....
...كل شيء آخر كان مختلفاً تماماً....
...لكن إن كان كل هذا صحيحاً......
..."إذًا... هل يعقل أنني عدتُ بالزمن؟"...
...صفعت خدها بقوة....
..."آه!" ...
..."آنستي؟"...
...'بما أن الألم حقيقي... فهذا ليس حلمًا.'...
...بينما كانت تفرك خدها، نظرت إليها بيل وكأنها مجنونة....
..."في أي عام نحن فيه؟"...
..."ها؟"...
..."ما السنة الحالية؟"...
..."إنه عام 392 حسب التقويم الشمسي، آنستي."...
..."ماذا؟!"...
..."آنستي، هل أنتِ بخير؟ لقد قلت إنه عام 392."...
...ردت بيل بتوتر....
...'هذا ليس صحيحًا... يجب أن يكون العام 397!'...
...لكن تعبير بيل لم يكن يبدو عليه الكذب....
...'لا يمكن...'...
...في ذكرياتها، ماتت سيلفيا في بداية عام 397، في عيد ميلادها العشرين....
...ولكن إذا كان هذا هو عام 392......
...'لقد عدتُ بالزمن خمس سنوات إلى الوراء؟!'...
...---...
...دق~ دق~...
..."آنستي السيد يستدعيك" ...
..."أبي يريد رؤيتي؟"...
..."نعم، آنستي."...
...لم يكن دوق أتلانتي يستدعي سيلفيا دون سببٍ وجيه....
...كان بارداً حتى مع أبنائه، وبالنسبة له، لم تكن سيلفيا سوى عارٍ على العائلة....
...لذلك، لم يكن يستدعيها إلا حين ترتكب خطأً فادحاً....
..."هل هو غاضب بسبب ما حدث بالأمس؟"...
..."نعم، آنستي... أظن ذلك.. تفضلي للداخل آنستي" ...
...اختفت كل أفكارها عندما التقت عيناها بعيني والدها، دوق أتلانتي....
...كان ينظر إليها باحتقار واضح....
...نظرة باردة، كما لو كانت شخصًا غريبًا....
...شعرت برد فعل غريزي... جسدي ارتجف لا إراديًا....
..."سمعتُ أنكِ تسببتِ بفضيحة أخرى أمس."...
...آه... الآن تذكرتُ!...
...كان يتحدث عن الحادث الذي وقع في حفلة عيد ميلادها....
...في ذلك اليوم، رغم أن الحفلة كانت لسيلفيا، إلا أن الجميع احتفل بشقيقتها غير الشقيقة "إيرين" بدلاً منها....
...غضبت سيلفيا وحاولت مهاجمتها، لكن إيرين كانت هادئة ولطيفة كعادتها....
..."إن كان هذا قد أزعجكِ، فسأغير ملابسي."...
...وهنا بدأ الحاضرون يمدحون إيرين مجددًا، مما جعل سيلفيا تفقد أعصابها تمامًا....
...وبدون تفكير، دفعتها......
...سقطت على الأرض، وذراعها كُسرت....
...وفي تلك اللحظة، أصابني الذعر....
...لم يهتم أحد بي...
...كان الجميع مشغولين بإيرين، بينما كنتُ أنا الوحيدة التي وقفت في الزاوية، مهملةً كما كنت دائماً....
..."يبدو أن ذراع إيرين تحتاج لـشهر حتي تلتئم."...
...تجمدت سيلفيا في مكانها....
...'لقد عدتُ إلى الماضي... إلى أسوأ لحظاتي.'...
...لم تحظَ "سيلفيا" باهتمام أحد، وكان ذلك يشعرها بالظلم، لكن في الواقع، إذا فكرنا في الأفعال السيئة التي ارتكبتها حتى الآن، فعدم الاهتمام بها كان أمرًا طبيعيًا....
...لكن سيلفيا لم تستطع تقبُّل ذلك كأمر بديهي....
...وبينما كانت منشغلة بإحساسها بالظلم، تم نقل "إيرين" للخارج، فقد انتهى الأمر بكسر ذراعها خلال شجارهما. وبسبب ذلك، لم يكن من الممكن استمرار الحفل، وانتهت حفلة عيد الميلاد بشكل فوضوي....
...بعد الحفل، حبست سيلفيا نفسها في غرفتها وانقطعت عن العالم الخارجي....
...بمعنى آخر......
..."لقد تسببت في كسر ذراع إيرين، ومع ذلك لم تعتذر لها حتى الآن."...
...لكن مجرد الاختباء في الغرفة لم يكن كافيًا لمحو خطئها، بل على العكس، زاد الأمر سوءًا....
...قال الدوق بلهجة صارمة:...
..."حتى في الأسواق، انتشر الخبر. لقد ألحقت العار باسم العائلة."...
...لم يكن هناك ما يمكن لسيلفيا أن تقوله؛ فالحقيقة أنها قامت بفعل مشين، والحقيقة الأخرى أن عائلتها أصبحت حديث الناس بسببها....
..."حتى تُشفى ذراع أيرين، ستبقين في الجناح المنعزل وتفكري في عواقب أفعالك هناك. لا تفكري في الخروج حتى أسمح لك بذلك."...
...ثم أضاف بصوت حاد:...
..."إذا تسببتِ في تلطيخ اسم العائلة مرة أخرى... فلن يكون هناك أي مجال للغفران."...
...بمجرد أن أنهى كلامه، شعرت بسيلفيا ببرودة قاسية تملأ الغرفة. كانت تلك الهالة القوية من التهديد التي تصدر عنه، جعلت جسدها يرتجف رغمًا عنها. لم يكن الدوق ينوي إيذاءها، فهي تعرف أنه لو كان جادًا، لكان الأمر أسوأ من ذلك بكثير. ومع ذلك، فإن جسدها، الذي لم يعتد على مثل هذه المواجهات، لم يستطع تحمل التوتر....
...حاولت أن تبقى هادئة وهي تفكر:...
...'تبا، أشعر بالغضب. ليس مجرد غضب، بل شعور مزعج للغاية.. لو كان ينوي إيذائي حقًا، لكان أطلق طاقة أقوى من ذلك.'...
...لكن جسدها المرتعش لم يكن معتادًا على مواجهة مثل هذه الهالة....
...'إذن، لم يستدعني إلا من أجل هذا.'...
...عضت شفتيها وهي تكبح غضبها المتصاعد، ثم أغلقت عينيها وأخذت نفسًا عميقًا لتهدئة نفسها....
...وأخيرًا، قالت:...
..."فهمت. سأبقى هناك وافكر في أفعالي كما أمرت، يا والدي.."...
...بدا أن ردها الهادئ قد أرضى الدوق، إذ اختفت هالته القاتمة وعاد إلى أوراقه وكأنها لم تكن موجودة. لم يكن هناك أي اهتمام حقيقي منه، فقط أراد أن يوجه لها تحذيرًا ثم ينتهي الأمر....
...'لم يسألني حتى عن سبب ما حدث.'...
...لم يسألها عن السبب، لم يحاول معرفة دوافعها أو مشاعرها. لم يكن هذا جديدًا عليه. منذ طفولتها، لم يسألها ولو لمرة واحدة عن سبب أفعالها....
...عندما كانت صغيرة، وانتزعت لعبتها من أيرين، بكت إيرين بشدة. في ذلك اليوم، لم يكلف الدوق نفسه عناء معرفة ما حدث. فقط أصدر حكمًا بمعاقبة سيلفيا دون أن يسألها عن السبب....
...'حينها، كانت سيلفيا تنتظر… تنتظر أن يسألها والدها: لماذا فعلتِ ذلك؟ كيف كان عليها أن تبرر موقفها؟ كيف يمكنها أن تجعل والدها يفهم؟'...
...لكنها انتظرت طوال الليل، ولم يأتِ والدها أبدًا. لم يأتِ في ذلك اليوم، ولا في أي يوم آخر. ...
...على مدى السنوات، لم يُظهر الدوق أي اهتمام بأفعالها أو بأسبابها. كان يتلقى تقارير عنها، ثم يعاقبها دون أن يطرح أي سؤال....
...'هل كان هناك سبب؟ هل كان هناك دافع خفي وراء تجاهله لي؟ ربما… لكن حتى لو كان هناك سبب، فهل هذا يبرر تخليه عني؟'...
...لم تتلقَّ الحب والرعاية كغيرها من الأطفال. كان والدها باردًا وغير مبالٍ، ووالدتها غائبة دائمًا، والخدم لم يهتموا بها لأنها لم تكن الطفلة المفضلة لديهم. لم يكن هناك من يوجهها أو يعلمها الصواب من الخطأ....
...سيلفيا قد تكون مخطئة، نعم. قد تكون سيئة، نعم. ولكن هل كان كل هذا خطأها وحدها؟...
...لـکـن... ...
...'لا أحاول تبرير أفعال سيلفيا، لكنني فقط أقول إن هناك من يتحمل جزءًا من المسؤولية أيضاً.'...
...نظرت إلى والدها، ثم قالت بهدوء:...
..."لكن، يا أبي…"...
...رفع رأسه إليها، وكانت نظراته تعكس الملل أكثر من الاهتمام....
..."لماذا لم تسألني ولو لمرة واحدة عن السبب؟ "أنا قد أكون ابنة سيئة، لكنني لا أزال ابنتك. ومع ذلك، لم تحاول أبدًا معرفة السبب وراء تصرفاتي." ...
...قطب الدوق حاجبيه، وكأنه لا يفهم ما تحاول قوله....
...عندها، أدركت سيلفيا أنه لم يكن هناك أي سبب خفي أو دافع وراء تصرفاته....
...'لقد كنتُ غبية لأتوقع شيئًا منه.'...
...فابتسمت بسخرية وقالت:...
..."على أي حال، لا تقلق. كما أمرتَ، سأبقى هناك، وكأنني غير موجودة."...
...قبل أن تغلق الباب خلفها، لمحت نظرة غريبة في عيني والدها. لم تكن قد رأتها من قبل. للحظة، بدا وكأنه مصدوم أو في حيرة… لكن ذلك لم يكن كافيًا ليغير أي شيء....
...---...
...في الخارج، كان كبير الخدم بانتظارها، ينظر إليها بنظرة غريبة، وكأنه سمع الحديث داخل الغرفة....
...لكنه لم يسألها أي شيء، بل قال ببساطة:...
..."لقد تم تجهيز الجناح الجانبي لكِ، آنستي."...
...أجابت بابتسامة خفيفة:...
..."شكرًا لك."...
...بدت الدهشة على وجهه للحظة، إذ لم يكن معتادًا على سماع كلمات مهذبة منها....
...'هل من الغريب أن أتحدث بأدب؟'...
...في الحقيقة، كان الأمر غريبًا عليها أيضًا....
...'جسد هذه الفتاة لم يعتد استخدام الألفاظ المهذبة.'...
...في الماضي، لم تكن سيلفيا تهتم بمخاطبة أي شخص بلباقة....
...لكنها قررت أن تبذل جهدًا للتحدث بطريقة لائقة، على الأقل مع الأشخاص الذين يستحقون ذلك....
...أومأ كبير الخدم وقال:...
..."هل هناك شيء آخر ترغبين في إحضاره؟"...
...فكرت للحظة، ثم قالت:...
..."بعض الملابس… وربما قلم وورق أيضاً."...
..."سأحرص على نقل جميع أشيائك إلى هناك."...
..."هل يمكنني مرافقتك إلى الجناح الآن؟"...
..."نعم."...
...سارت خلفه متوجهة إلى الجناح الجانبي. كانت القلعة ضخمة للغاية، فبالإضافة إلى المبنى الرئيسي الذي كان أشبه بمجمع فاخر، كان هناك عدة مبانٍ جانبية أخرى. المبنى الذي كانت متجهة إليه الآن هو الجناح القديم الذي لم يعد يُستخدم كثيرًا....
...أثناء عبورها الحديقة، سمعت صوتًا يناديها:...
..."أختي!"...
...استدارت لتجد أيرين تركض نحوها بقلق....
...'أيرين… لم أكن أريد رؤيتها الآن.'...
...كان الشعور بالذنب لا يزال حاضراً، بالإضافة إلى مشاعر أخرى معقدة....
...لكن بما أن الخادم توقف عند وصول أيرين، لم يكن بإمكانها الاستمرار في المشي....
..."سمعتُ أنكِ ستنتقلين إلى الجناح الجانبي، هل انتِ بخير؟"...
...'كيف عرفتِ بذلك بهذه السرعة؟'...
...تفاجأت لأن أيرين عرفت بالأمر بهذه السرعة، لكنها تذكرت بعدها أن أيرين كانت قريبة من الخدم، ودائمًا ما كانت تسمع منهم الأخبار أولًا....
...'يا لها من قدرة مذهلة على جمع المعلومات.'...
...نظرت إلى شقيقتها الصغرى التي كانت تترقب ردها، ثم قالت:...
..."أنا بخير، لا داعي للقلق. الجناح الجانبي ليس مكانًا سيئًا."...
...لكنها كانت تكذب. الجناح الجانبي لم يكن مجرد مبنى منفصل، بل كان رمزًا للإبعاد، مكانًا يُرسل إليه من يشوه سمعة العائلة....
..."لكن... اختي.." ...
...بدت إيرين مترددة، غير قادرة على قول ما يدور في بالها، كما لو كانت تخشى أن تجرحها....
...'إنها لطيفة للغاية... لهذا يحبها الجميع.'...
...شعرت سيلفيا ببعض الذنب، لكنها لم تستطع إنكار إحساسها بالانزعاج....
...مع ذلك، لم تستطع تجاهل إيرين تمامًا....
...'يجب أن أحاول على الأقل تحسين علاقتنا.'...
...فتنهدت وقالت بصوت هادئ:...
..."أنا آسفة... أيرين.."...
..."ماذا؟"...
...اتسعت عينا إيرين بدهشة، وكأنها لم تصدق ما سمعته....
...كان ذلك متوقعًا، فمن كانت تؤذيها باستمرار، أصبحت الآن تعتذر. ومع ذلك، سيلفيا قررت أنها ستكمل ما بدأته…...
لمزيد من التشغيل واللعب ، يرجى تنزيل تطبيق MangaToon